ضوءٌ يُشعِلُ الألوان !

ما الذي يجعلنا تحت جاذبية الأسواق ، “المجمعات خاصة” ، أقصد زيارتنا لها برغم انعدام الرغبة بالشراء ؟
من الممكن أن نقول بأننا نغذي حاجتنا البصرية/النفسية للألوان !
‏ليس سعينا للشعور بالناس كما نظن ونعتقد بل الشعور بأن الضوء مازال يلد ألوانًا ، ويشِعُّ ويُشعِل .
‏إنها نزعة قادمة من كوننا نشعر بالحزن
‏لأننا لا نملك ذاكرةً عن حياتنا في أرحام أمهاتنا ولأن الذاكرة ذاتها غاضبةٌ علينا،
‏وهذا الحزن العميق الذي لا نعيه يدفعنا دائمًا للبحث عن الألوان التي هي بدورها جاءت تفسيرًا للضوء ، تبيانًا للحياة ، إبرازًا للشعور بكوننا نمتلك القدرة على تغذية ذاكرتنا بكثافة وإدراك أعلى .

من أين تجيء بهذه الأفكار ؟
‏من إنصاتي للأشياء ، من حديثي السري جدًا معها ، وقد أخبرتني عوالم اللون وأنا أتجول في ممرات السوق عن شعورنا نحوها ، عن كوننا نبحث عن المفقود في عوالمنا ، نبحث عنّا …
والأمر لا يتوقف على هذا الحد ، فلسطوة الشعور في نفسي مأزق الشعر والذهن المتشظي فريقًا من المنقبين عن الجمال ، وتتبع مساراته ، إن وجودي تقوده مشاعر ضخمة قاومتها زمنًا فهادنتها ثم منحتها الثقة وتركت لها مهمة إصلاح تفكيري ، لقد أصغيت لشاعريتي وأبعدت النظريات الجاهزة والمعلّبة وأزحتها من تلقائيتي وانطلاقي لأجدنا بهذا العصر مع كل هذا التقدم لا نبصر جيدًا ، ونغوص ببحر من الكآبة ولم يكن ذلك إلا من خلال سوء تعاملنا مع مشاعرنا وضعف تأسيسنا لها وقد فضلنا عليها الجدار والحارس أو جعلناهما الموجهين والمحررين لها ، مما جعلها مضطربة لا تمنح الكثير منّا رؤية صحيحة للكون والحياة
فالمصابون بالسوداوية ، الرماديون جدًا ، أولئك الذين يعانون ويتسببون بمعاناة غيرهم ،
‏ليس بهم من داء ، سوى الغرق بالقيود والحواجز ، والتمسك بالشوارع والأعمدة ، غافلين عن الطبيعة وما بها من حيوية معطاء وجمَال خلّاق ، مما يشير لكونهم أيضًا بلا ضوء مُشِع يمنحهم الاطمئنان وقد تراكمت بهم المقابر والتشاؤم والهلع لأن مشاعرهم تستمد قواها من ذكريات لا حيوية بها ، أي أنها لم تأتِ من الطبيعة وتضاريسها وطقوسها بل من المزيف ، من الخيال المقبور في شاشات ميتة .
بنظري إن أول خطوة للتشافي من برود الألوان وجمود المشاعر،
‏يكون من خلال إعادة النظر للكون ، وتطوير الشعور بالجمال من خلال الطبيعة فالطبيعة لا تتوقف عن كتابة الجمال وهو بدوره هزيمة أبدية للشقاء ،
‏إن انخفاض الشعور بالحياة ، مرتبط بالانحباس عن العالم ، وتقييد الذات بالجدران والصور ،
‏ومن يحيا في قالب كهذا ، سنوات طويلة ، من الطبيعي أن يتعرض لسوء الوعي بالذات والأشياء

سألني صديق عن حل لقسوة يعانيها في صدره ، وانخفاض إحساسه وألم مبهم لا يعرف كيف وصفه
‏فأجبته
‏”عليك بالطبيعة، عليك بالجمال”
‏ ‏فتنشيط الشعور الخامل وتنميته بتأمل الأشياء ومنحِهَا فرصةً لإصلاح الخلل الذي مس برمجة الوعي بإبصارها من جديد ، وملاحظة روابطها بمحيطها ، كينونتها ، ألوانها ، شكلها ، ذكرياته معها ،
‏كفيلٌ بإيقاظ الوعي مرة أخرى وإعادته للمستويات الطبيعية من الملاحظة والدقة والحيوية والإحساس جيدا والتفاعل
‏وبما أن الكون له كائناته وأشكاله التي لا حصر لها ، فعلى المرء أن يتناول ما يستطيع من الأشياء تأملا ومتابعة وحيوية خلال شهور ليحقق إصلاح ما لا يعيه في أعماقه
وأما الجمال فيأتي ، بالإضافة لطاقته الإبداعية ، مقياسًا لمدى ما يعيشه المرء منا من صحة ،
‏شعوري بجمال الشيء، الكائن ،الطقس ، التضاريس، هو مقدار صحتي الفعلية
ومن الممكن أن يكون مجهري الشخصي وبصيرتي والأمر لا يتوقف على الطبيعة فقط برغم كونها الأساس الأساس بل قد يأتي كلمةً ، أغنيةً ، ابتسامةً ، ونظرة شاعرية لم تتكلم عنها دواوين الشعر بعد .

سألت صديقي السَلفي العالمي “كريم
‏ ذات يوم عن حكم حديثنا عن جمال يمر كل يوم على الرصيف ، و”كريم” بالمناسبة بائع للمكملات الغذائية بنادي رياضي في القاهرة
‏فأجابني :
‏”لا ذنب علينا ، فنحن عشاق الجمال “
‏فقلت :
‏”زدني فداك شعري
‏ ،
‏فقال : ” اعلم إننا لا نكون حكماء بلا فسوق ، ولا نبلاء بلا دناءة وقد رأيت أن أقل الشرور أن نتماهى مع الكون بحثًا عن الجمال ، في سحابة تمر ، وأخرى تلقي بخيالات ساقها علينا ، وبالنهاية ليس لنا من كل ذلك إلا الشعور والشعور لا ذنب عليه
أو هكذا قال…

——

عصام مطير البلوي

4 comments

    1. المتراكم من ضجيج بداخلك ، جاءت به الجدران وحياة المدينة والابتعاد عن البحر والوادي والتل والجبل ، جربي تأمل الكون وستشعرين بطمأنينة دائمة
      شكرًا لردك وتفاعلك 🌺

      1. آه يا عصام كنت ذات يوم إيزيس من شدة تأملي بالقمر لكن الآن يكفيني أن اسحب اخر كرسي في المقهى و انظر بصمت لما حولي دون تفكير أو كلام
        العفو
        يومك سعيد 💜

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك