الإلهام ، مقدمة وجيزة

كان الضجيج في جمجمتي ، وعيناي تتسابقان نحوي، وأثناء ذلك أيضًا كانت الأشياء حولي باقتتال عظيم كأن معركةً بالخفاء قررت الهطول على صدر المكان ، وما أن تضخم شعوري بالخطر ، حتى تمكن الخيال وجاء المجاز على قدميه .

لابد أن يكون قبل تلك النوبة المثيرة للكتابة ، محفز لطريقة تفكير وجدتُ أنها لا تزول إلا بانجرافي بها نحو أعماقي ، وهذه النوبة هي ذاتها تأتي بأشكال مختلفة ، منها ما يكون على هيئة غرق بالألوان ، وشعور مفرط بجمال أخّاذ ، وذوبان بإيقاع موسيقي لا يسمعه سواي .

إن كل ذلك هو ما نسميه الإلهام ، وقد قال الفيلسوف الألماني هيجل في كتابه المدخل إلى علم الجمال :

قوام الإلهام هو وقوع الفنان تحت هاجس الشيء وسلطانه وحضوره الدائم فيه بحيث لا يلقى راحةً ما لم يتلق هذا الشيء شكلاً فنياً ناجزاً” …

لكن قوله هامش بسيط حول لتلك النوبات ، وصفٌ عابرٌ لها ، ونحتاج إلى المزيد من التعمق في تركيبة أنفسنا والعالم لنفهمه أكثر ، لنجيب بتقدم أكبر عن الأسئلة الكبرى : من أين وكيف ولماذا ؟

إنه قبل أن يكون الإلهام ، كانت قابلياتنا ، كان الشعور الخفي بفقدان ما فلقد نال الإلهام وجوده من شعورنا بالانقطاع عن أجزاء جميلة أو ذات قيمة مهمة بذواتنا تشكلت من خارجنا (محيطنا، ذكريات الطبيعة/الأسرة بنا، تراكمات الشعور بالماضي ) أو خوفنا الضمني عليها من فقدانها بفعل الانهماك بشؤون الحياة الأخرى ، هذا الشعور الخفي بالانقطاع أو الفقد ، الذي يعمل على إشعارنا باحتياج مبهم غير مفهوم ، يقفز فجأة للزوال والمغيب مع ما يمكننا من الاتصال بتلك الأجزاء المفقودة في أعماقنا ، أي حين نعانق ونشاهد شيئا ، حدثًا ، ظرفًا فنشعر فجأة ببطء لذيذ في وعينا ونحن حينها نفسره بالجمال وشاعريته لأننا نتواصل مع أجزاء سحيقة في ذواتنا بالكاد نتذكرها أو نشعر بها ، وما أن تتراءى لنا ، نُصابُ بلذة النصر والحياة ، ونتجه نحو إثباتها فنًا/أدبًا لنواجه أنفسنا ونقنعها بأننا ظفرنا بهما للأبد ، وهيهات… ، وبما أنه هكذا ، فهو أمر شخصي جدًا ، وقيمته الوجودية مرتبطة بالشخص/الفرد ، فشكله/لونه/نوعه/هيئته كل ذلك مقاديره فردية ، لكن الأصل واحد،

إننا حين نقول الإلهام ، نعني المفقود الشخصي ، أو التذكير الخاص عما نخشى فقدانه أو فقدناه ونتمنى ملازمته الأبدية.

التجربة/الذاكرة بارعةٌ في رفع قيمة الذوق الجمالي ، ولقد علمنا منها أنه كلما ارتفع ذوق المرء بكثرة تجاربه وتخمة ذاكرته تلاشى الإلهام من أشيائه القديمة وتقدم للأمام، حتى انعكاساته الفنية/الأدبية تفعل الأمر ذاته ، إذ تقوم من خلال الذوق المتنامي بالاتجاه لاستخدام أدوات أفضل وخيالات أبرع ، لتشد صاحبها للأعلى أي أن نمو الشعور بالفقدان ، إدراكك حقيقة العالم وتخلياته عنك ، ذلك القلق العميق الذي لا يتوقف عن النمو ، يقود العملية الفنية بكافة عناصرها أي أن العذاب العذاب المختبئ بكثافتك الروحية ، شرط ضروري لتبصر الإلهام ببعض أو معظم أو كافة تجلياته .

الإلهام إذن هو أن تبصر عذابك في وجهه الجميل المبهر ، وانعكاسه الأدبي\الفني هو أن تكون مغفلًا أو استغلاليًا ، الإلهام أي أن تبحر في السماء ، أي أن تحلّق في البحر ، إنه المعنى الممزوج بالحداثة والقَدامة معًا وحين يغيب تشيب الخطوة ، وتُعمى . إنه صحوة تجيز لك الارتفاع عن الضجيج ، والتحول لملاك أو كائن من كائنات الأفلاك البعيدة.

فإذا كان الإلهام هو المفقود والتذكير به ، الصراع بين الذاكرة والنسيان ، ما الذي يجعله متفاوت بين فرد وآخر ؟ ما الذي يجعله عملًا وانطلاقًا من الشخص نحو الإنتاج الفني لقلة في حين يختفي أثره على البقية ؟

إن الجواب باختصار هو الاختلاف بالشعور المبني على تركيب فسيولوجي وخبرات حياتية ، وتنميط ذهني مجبول عليه الفرد لأسباب كامنة بتركيبته الجسدية ، والتشكل الذي ينجم عنه هذا الإلهام إن كان شعرًا أو رسمًا أو موسيقى عند الفنان أو سلوكا لا علاقة له بالفن عند غيره ، بأن يتأمل ويصلي أو يسعى لتهدئة نفسه بأسلوب آخر ، لكنه حتمًا يشعر بهذا الإلهام ولذلك كان هنالك جماهير للشعر وبقية الفنون ، فهذه الجماهير أيضًا يصيبها الإلهام لكن انعكاسه وتأثيره عليهم يأخذ أسلوب البحث والإصغاء للفن لا إنتاجه ، والجدير بالذكر أن الإلهام ذاته لا يوجب على الفنان تحويله دائمًأ لعمل فني ، فهذا الفنان قد حول بعضه إلى أعمال وأما بعضه الآخر فشكّل الكثير من تصرفاته غير الفنية ، ومارس من خلاله تفكيره وكوّن شخصيته .

إن الشاعرية مثلًا التي نميز بها شخص عن آخر ، هي تعبير خارجي ، وبالوقت ذاته طاقة نوعية بالوعي ، نابعة من الجسد ، وحجمها مرهون به ، والشاعر كتب قصائده من خلالها ، وكتب واقعه أيضًا،

وعمومًا فالأدب أو الرسم أو العزف ، تحوّلٌ كبير من الشعور بالحياة إلى إنتاجها ، ومن الوقوف أمام الأطلال إلى إحيائها ، بمنحها وجودًا مختلفًا من خلالنا بلحظة شاعرية ، لحظة تتخلى بها الذاكرة عن إصرارها على البقاء في المقدمة ، أو أنها بثورة ما تتخلص من كمية كبيرة من ترتيب الماضي أو أن الطبيعة عليها السلام ، أرخت حبالها ومدت لك نداءً يتدفق من وجه امرأة، أو من التفاتةِ عصفورٍ ، أو من رقة موجةٍ بحرية حاولت التمسك بيد الشاطئ ، فكسرت إدراكك للزمن والمكان ونفّذت مهمة التشافي منهما.

إن الإلهام في أعماقه أو بتفسيره العميق ليس إلا انسحابًا أو معركةً خاسرةً للذاكرة ، أمام الأخ القائد رفيق النشامى مولانا “النسيان”..فحين تصطك النصال ، ويميل “الآن” إلى جحافل النسيان ، ينثال الجمال نداءً يدعوك لتكتب ، لترسم ، لتلحن ، وأنت بشيءٍ من الطواعية/التلقائية المكتسبة تفر منّا لكن فرار الشاعر ليس كفرار الموسيقار، فالموسيقي يفر وهو يصرخ ، في حين أن الشاعر صوت لعنه وشتمه يفوق الصراخ وضوحًا أمّا الرسام فهو يفر بطريقة المواجهة ، أي المقاتلة وجهًا لوجه بيديه وعينيه ، فراره أعمق وأشجع ..

إنهم يفرون منّا ، أي من المجتمع والزمان والمكان ويبدأون معاركهم الخاصة في معمعة الحرب الكبرى بين ملوك الذاكرة وسلاطين النسيان..

يتخذ الإلهام سياق الانهماك لأنه توازن آخر لوظائف الدماغ وتجليات العقل ، إذ يقف المرء على ساق واحدة وينهمك بالتعبير ، غير آبهٍ بسقوطه أو تعبه الجسدي ، وتلك أحد مظاهر السطوة الإلهامية بتركيز وتكثيف الشعور وتوجيهه نحو نقطة يتراكم بها المرء بكل ما فيه

،

للإلهام بقية

عصام مطير البلوي

الرسمة الملحقة للفنان الفرنسي Pierre-Auguste Renoir

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك