اليد والمعنى ..

يرى بعض علماء التطور البشري ، أن التطور الذي لحق بالإنسان في دماغه فأكسبه العقل وميّزه عن الحيوانات كان بالتزامن مع تطور اليد البشرية
وظهور العضلتين
Extensor pollicis brevis
‏flexor pollicis longus
اللتين سمحتا للإبهام بحركة أكبر وبتحكم أدق للبشر عن سائر الحيوانات .
العضلتان تلك ليستا موجودتين في ذراع ويد القرود باستثناء فصيلة
hylpates
بالإضافة لتغيرات ومزايا إضافية بالجلد وحساسية أطراف الأصابع وتغيرات مختلفة بعظام اليد لدى الإنسان

،
وهناك من علماء النفس من أشار إلى مشاركة اليد في تعليم الطفل الرضيع ، فالأم تشير له بيدها وتعلمه الأشياء من خلالها ، ولا يخفى علينا أن الطفل يمد يده ويحمل ما يثيره من أدوات وأشياء ليضعها بفمه للتعرف عليها وهذا ما نعنيه بأن اليد لها دور في بناء العقل من الناحية التعلمية بالتعرف على الحياة
،
ولم تتوقف اليد عن العمل في تطوير الوجود الإنساني اجتماعيًا ، علميًا ،و صناعيًا إلخ
وكل ذلك يكشف لنا عن أهمية “اليد” في بناء العقل البشري أو التعبير عنه ،
مما أثار هذا السؤال عند بعض المفكرين والعلماء
هل أيدينا صنعت هويتنا الإنسانية؟
ولقد تكرس ذلك الإدراك بأهميتها تلقائيًا في حياتنا منذ فجر التاريخ ،
لتأخذها اللغة لمعنى عظيم حين استخدامها بالمجاز ، فاليد تشير للقدرة والامتلاك ، وهذا الاستخدام موجود بكل اللغات البشرية ،
وبالشعر العربي كانت اليد موضوعًا من مواضيع الشعراء وتصويرًا من تصويراتهم ،
كقول إيليا أبي ماضي :
،
أنت والكأس في يدي
فلمن أنت في غدِ؟

،
وقول زهير بن أبي سلمى :
،
وما مِن يدٍ إِلا يدُ اللهِ فوقها
ولا ظالم إلا سيُبلى بأظلمِ

،
والأمثلة على ذاك كثيرة ولا تُحصى ، أخذ الشعراء باليد لمعاني مختلفة من استعارة وكناية وحقيقة ، وبتوظيفها في الحكايات والقصص والتلميح والتوصيف ،
وقد ظهر لفظ اليد أيضًا بالقرآن الكريم
كقول الله عز وجل بسورة الملك :
“تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “
صدق الله العظيم

،
واختلف علماء الإسلام في تفسيرها ، فاتجه المعتزلة والأشاعرة والماتريدية بلفظ اليد لتأويله بالقدرة في حين اتجه الحنابلة بقيادة علماء كثر ، أهمهم ابن تيمية للتوقف عن التأويل لعدم وجود قرينة مجازية ، وأخذوا بعقيدة أمرّوها كما جاءت ، والهدف هو التأدب ، في حين ظنت الكرّامية أنها يد مجسمة ،
وأما الشيعة فقد انتحلوا عقيدة المعتزلة بالأسماء والصفات وهو الانتحال الذي لم ينقذهم من الاتجاهات الخرافية في مسارات أخرى
،
ولليد بالاحلام تفاسير متعددة ، تكتظ بها تلك الكتب ، وهي لا تخرج عن المجاز الشعري وإشاراته ، فالحلم قصيدة مصورة وقصصية برموز قابلة للتفسير ، وبالعصر الحديث قفز تفسير الحلم مراحله القديمة ليوضع في مقام التفسير الفسيولوجي والنفسي وقد لامست تلك التفاسير اليد ومعانيها خلالها استطاع فرويد إضافة المزيد على التحليل النفس ودراسة الأمراض النفسية وتأثيراتها
على تكوين الحلم
يرى ابن سيرين مثلًا أن صحة اليد والكف تدل على حسن الأخذ والعطاء ، وله آراء مختلفة في تفسيرها وفق شكلها وعملها يستدل بها الحالم على حسن أو قبح صنيعه وما يمكن أن يكون في أقداره القادمة ، ومثل هذه التفاسير كثيرة ومشتركة بين الأمم ،
وبالنسبة لفرويد فإن اليد بالحلم كبقية الرموز ، تشير للرغبات ولها دلالات نفسية ، ومعاني جنسية ومؤشرات لفهم العقدة النفسية بالصغر
،
وإذا نظرنا لليد في السلوك وعلاقتنا بها وما تعنيه ، بأعمق من ظاهر وجودها الأداتي والصناعي، فإنها كنز معلومات وخرائط جديدة لفهم الطبيعة وتكوين المفاهيم، وإن عدم انتباهنا لحركتها في مواضع كثيرة ، خاصة علاقتها مع جسدنا ذاته ،
هو أول ظهور لفكرة الثقة ،
والثقة كما عهدناها تريح الذهن/العقل من الانتباه والتركيز والمتابعة والمراقبة بالشأن أو الشيء الموثوق فيه، وقد كانت أيدينا بمأمن في حركاتها وعدم متابعة وعينا لها أو منحه إياها قيمةً في حساباته الدقيقة قبل أن يبدأ وباء كورونا 19 بالانتشار وتكون أهم رسالة يرددها الأطباء والعاملون بالصحة في محاربته:
اغسل يدك
لا تلمس وجهك
لا تصافح
،
اليد كانت مسؤولة بنسبة عالية عن نقل الفيروس كما قيل، مما تسبب بإشكالية إعادة العلاقة معها لموضع الشك والارتياب ، والانتباه لكونها تتصرف بتلقائية منا ، دون تركيز ، وتظل أوامر الحيطة والتحذير متأخرة باللحاق بها ، أو قد تلحق تصرفًا منها قبل لحظات من حدوثه كما فعل
ولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز ، حين تلاحق يده ومنعها من المصافحة ،
،
ذلك التلاحق الذي هو من صنف الشاعرية يؤسس لتلقائية جديدة فيما بعد ذلك، لتشكُّلٍ جديدٍ لمفهوم الثقة ، فشاعرية المرء هي تدارك وانتباه وتوجس ومحاولة لتغيير المسار وتكثيف للشعور لأن العلاقة مع الأشياء/الأماكن مسّها اضطراب أو غموض أو أي شيء من هذا القبيل، وأما الثقة فقفزة على الشاعرية وتجميد لها واعتبارها قد أدت مفعولها وأثمرت بانتصارنا وتجاوزنا الحاجة لها ، أي أن الثقة ، اندثار أو عملية دفن كبيرة لأمور اعتبرناها ضمنيا فقدت الحياة أو على الأقل فقدت جاذبيتها ،

وحين التأمل فإن الذاكرة لا تأبه برصد الكثير مما تفعله أيدينا بسلوكياتنا اليومية لأن الأهمية للقصد والغرض لا الأداة ونحن منذ أن نشأنا لم نمنح أيدينا ، أهمية الرقابة عليها إلا بالسلوك الخطِر ، وقد تعلمنا في طفولتنا أن بعض الأشياء مؤلم لمسها ، وتشكّل فهمنا للألم بدءًا ، وغالبًا من يدنا أيضًا، وأما الآن في ظل الخوف من العدوى فذاكرتنا تتخذ إجراءاتها لحفظ حركتها وتزويد تفكيرنا المتوجس بالمعلومات لتقييم إمكانية العدوى وتزويدنا بالتصحيح إلى ما نعتاد هذا التوجيه ونعيد الثقة بالتدرج، أي أنها بمرحلة الشاعرية في توجسنا منها إلى أن تصل مرحلة الثقة في تلقائيتها وانحسار اكتراثنا بمواضعها
أي أن أيدينا في ظل المرض تعود للحياة بشكل أكبر أثناءه مما هي عليه قبله أو بعده،
وكذلك فإن تتبع حركتها وعلاقتها مع رؤوسنا ، أمر مرهق ، لكنه تطور في العلاقة والشعور أو عودةٌ بها لطفولة سابقة إلى أن تنال هرمها مرة أخرى ،
والذاكرة حين تكون حركة اليد مرتبطة بالتلاحق الذهني لها أو التوجيه العاطفي فيها كما هي لحظات التصافح بين العشاق وغيرها ، تكون مكترثة لحفظها لارتباط اليد بشاعرية الشك والاضطراب والخوف من الفقدان والإقبال على “أنا” جديدة
،
إن معظم ما يحدث خلال هذه الفترة الصعبة التي يمر بها البشر في مواجهة كورونا يشير إلى أن
أيدينا كانت بمستويات حرة بالحركة التلقائية غير آبهين أو مهتمين بمواضعها وأوضاعها إلا في ظروف نادرة ، لأننا أكسبناها ثقة ، أو فلنقل لأنها أكسبتنا مفهوم الثقة ، إذ قبل أن يتشكل لدينا مفهوم الثقة معرفيًا/نظريًا وتطبيقاته اللاحقة ، كان قد تشكل قبل ذلك في علاقتنا مع أيدينا ، والثقة بالنهاية هي أساس جامد يعبّر عن شاعرية ضخمة متجمدة قد فقدت معناها الشعوري وتحولت لأرضية صلبة لسلوكيات تلقائية لا نمنحها انتباهًا ولا اهتمامًا
،
وبمزيد من التأمل فإن الثقة نشأت من الأم واليد ،
وبما أن الثقة نتيجة عمل عقلي/ذهني له تراكيبه التفكيرية المكتسبة والمتراكمة من استمرار النفعية وانعدام الألم والخوف فإن نمو العقل كان بالمزامنة مع ممارسة الثقة وتعلمها من الأم برعايتها وحنانها ومن اليد بقدرة الطفل على التعرف عليها وتحريكها كيف شاء واستخدامها كأداة للتعرف على العالم،
الطفل أبصر وجه أمه و يديه وتعرّف عليهم أيضًا قبل أي شيء آخر
،
وللثقة امتداد من محيط آمن ولطبيعة شاركتنا بتكوين عقولنا ، بطريقة السماح والمنع ، الثواب والعقاب لأيدينا ولسائر أعضائنا وتجاربها فيها . ،
لقد كانت أيدينا إذن تعبيرًا ضخمًا لشعور الأمان ولطمأنينة الاستعداد للمواجهة أيضًا
وشاركت في تكوين المفاهيم ، وتعلّمها ، وها هي الآن تكشف عن شاعرية المعنى وتفاعلنا معها
فالاعتياد والتجميد يستند عليهما العقل للقيام بوظائفه الاستكشافية والوقائية والتفكيرية في الأمور التي مازالت في طور الشك والارتياب والاكتشاف والتجربة والغموض ، وهي الأمور التي مازالت حاملة لمعنى الشاعرية ، للجانب الحيوي في كونها تنبض بدافعية الشعور بها وتحسسها ، أي تلك التي مازالت قادرة على إثارة جهازنا العصبي وغرائزنا الخاملة،
،
قد اتضح دور الطبيعة في تشكيل الثقة/الشك من خلال اليد ، أي تكوين العقل بجملته العامة ، وما بُني عليهما من شاعرية/شعور وتبلّد/جمود ،
فكل ما ننجزه هو بالأساس قادم من الطبيعة ذاتها ،
والشاعرية أي التعمق باللحظة والاستغراق بالحركة والغرق بالشعور ، ما كانت سوى امتداد لاضطراب الطقس والتضريس ،
وشاعريتنا عموما هي حيوية متوهجة لعاطفة لم تدخل مرحلة الثقة بعد ، الثقة بمعناها المتكامل، الأمان والضمان والاستحواذ الكامل ، ومتى ما دخلت بتلك المرحلة فقد بدأت بالهدوء والخفوت ثم التجمد لنبحث عما يوقظها ويحركها بمجالات وأشكال وكائنات وعلاقات أخرى ،
وعليه فإن شاعرية أي نص بالنسبة لأي إنسان تعتمد على كونها مغايرة لما اعتاد عليه ،ودافعة لخروجه من قالب الثقة والجمود، إلى قوالب التوجس والاضطراب وملاحقة المعنى وتكوينه .

وبالختام فإن اليد التي لها مكانتها الكبرى في عالم الرسم ، يتضح أنها تملك مكانةً سريةً بقيمة كبيرة في عالم الشعر أيضًا، إن كان في الشاعرية بتجسدها الوجداني والعقلي ، أو بخارجنا من خلال الصنع والإبداع ،
وحين نعيد علاقتنا معها لمواضع الشك والرقابة والاحتراز ، فنحن نحيي أمواتًا ونقيم قيامةً صغرى

عصام مطير البلوي

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك