كيف ، تحيةً يومية

EC1JzK4XkAIKQMzمن ضمن السلوكيات الاحتقارية التي يمارسها عصرنا ، سلوك النصح بمعنى التوهان ، أن أنصحك لتتوه أكثر ،
مثلًا : “كن أنت ” ، “افهم ذاتك” ، “تقبّل وجودك” وهلم جرًا ،  عبارات بحد ذاتها تلعن ذاتها ، وتشدك نحو تعظيم التوهان ، أن تفهمها ولا تفهمها ، أن تقول “أنا” لكنك لست متأكدًا.
القفز على منصات الشعر بعد تنازله عن مكانته ،
أو بالأحرى بعد أن أبعدته التقنية عن مكانته وانتشار طاقة التحطم، الشعور بالذبول والسقوط المبكر دفع الوعاظ أو الشاعريين الفاقدين لموهبة الشعر، أو الزاهدين بها لكونها بلا قيمة للاتجاه نحو المصابين بالتحطم وتقديم الشعر بأسلوب نفسي/علمي
أن أخاطبهم بالأمل المنتهي باليأس ، أن أفتح لهم الباب وأغلقه بالوقت ذاته ، أن أدعوهم نحوي ، وأجعلهم مثلي تائهين ، هائمين ، مجانين يبحثون عما لا يحققه الشعر أبدًا ، لا يحققه النصح الشاعري ، “كن أنت” ، ولم يكن يومًا هو ، “افهم ذاتك” ولم يدركها قط .
للعقل علة في تحقيق وجوده ، إنه يبني باستمرار بالربط والعلو حتى على الأنقاض ، فالجنون ببعض أشكاله هو عقل أيضًا ، عقل بُني على ترابط غير منطقي/سببي بين الأشياء والمشاعر ، بين ما جربه وما يتوقعه ، بين الشعور بنفسك والشعور بمحيطك .
ومن الممكن جدًا أن تنمّي عقلًا لا يبقى إلا بالوهم ولا تشعر بوجودك إلا من خلاله ، عقلًا بأجزاء منه متوهم وبأجزاء هو غير ذلك وأما أنت فإنك تشعر بنفسك ، من خلالهما من خلال التوهم واللاتوهم ، من خلال الوهم والـلاوهم .

وبذلك فالقول الشاعري جدًا “كن أنت”
هو تعميق لمأساتك الشخصية ، أنت بالأساس عشت ماضيك بأنك “أنت” وستعيش مستقبلك بأنك أنت ، “أنت” هذه هي كل اتجاهاتك وتراكيبك خيالًا وواقعًا ، إذعانًا للآخرين أو تباينا أو مفارقة لهم ،
ولعل الشاعر الحداثي المعاصر أقصد عالم النفس الشاعري الذي يقول “كن أنت” كان يعاني من فقدان الشعور بذاته جزئيًا ، وهو الفقدان الذي يجعله غير مدرك بأنه هو هو بالماضي ، وهو هو بالمستقبل ، وسيظل تائهًا ، والمرء لا ينفك عن حب المشاركة ، ف”كن أنت” هي بمعنى ” شاركوني التوهان” ، “ضيعوا معي”

أما قول “افهم ذاتك” فهي جملة فلسفية عميقة وجميلة جدًا ،
لكنها تعني “تقديس العجز” ، حين يقول “افهم ذاتك” يقول بالتزامن معها “لن تفهمها” ! ، تخيّلوا هذا النوع من الشعر الفلسفي العميق جدًا ! يقول “افهم ذاتك” وموسيقاها الإيقاعية النابضة فيها “لن تفهمها” ، هذا ما يُسمى “شعر الشعر”.

إن أي عملية فهم ، تعتمد على إجراءات إدراكية ومعلومات وتنميط باتجاه الفكرة والتأكد من صحتها ، وعيًا ووجدانًا ، لنفهم علينا أن نخوض في مضمار تجريبي ، وتفكيكي وتحليلي ، أن نقرأ شفرة DNA المنتجة لذواتنا الانفعالية والإدراكية ، ونعيها.
حين تُلقي قصيدة شعر معاصرة بعنوان “افهم ذاتك” ينبغي أن تكون أبياتها أو سطورها شارحةً للمبدأ وتدربنا على فهم انفعالاتنا ، من أين وكيف جاءت ، وبماذا ولماذا تدفعنا لسلوكيات وما ينبغي فعله لنتائجها وشعورنا منها وبها وإليها ، ومثل هذه الأسئلة طبعًا خارج نطاق الشعر ، نطاق المجاهرة بالعجز والتمسك به وتعظيمه .
إذًا من يقول لك “افهم ذاتك” ، قاوم مباشرة موسيقاها النابضة معها “لن تفهمها” واطلب من هذا الشاعر الحداثي أو من يُطلق عليه إخصائي أو حتى طبيب نفسي ، وقل له : “كيف؟” ، حينها فقط، أنت قد بدأت أن تعي ذاتك ، وتحاول الانطلاق لفهمها ، “كيف أيها الشاعر المتقمص دور الطبيب الخارق؟!”

أما قول “تقبّل وجودك”
فهي من اختراعات التناص النفسية مع بقية النصائح المعتادة ، وهي كلمة أيضًا من النوع الشاعري الممثلة لكل صفات اللوم النفسي الذي أدركت أنه جزء من تفكيري السريع أو مما يُطلق عليه الحدس ، أو الاعتياد على تقديم النصائح الذاتية، أن تلوم نفسك وتلوم نفسك إلى أن تخترع “الحزن اللغوي” المناسب..
“تقبّل وجودك” أي الاستمرار بلوم نفسك إلى أن تصل بشعورك “المنزعج” من نفسك لمرحلة أعمق ، إلى “وجودك” ،
تخيّل إلى أين يقودك هؤلاء السوداويون ! ،
إذ يعمقون اللوم (الطبيعي) لدرجة أن تشعر بقلق وجودي !
يوجهون ذهنك إلى أمور لم تفكر بها ، إلى كلّك ، إنهم يقولون (ضمنيا) اتجه باضطرابك إلى وجودك ! وتستمر الدوامة للحظة التي يشون ضمنيا أيضًا للانتحار ،
هذا جزء مما يفعلونه من جرائم ،
لماذا؟ لأنهم تائهون ويقدمون نصائحهم للتحقق من صحتها ربما ، لتجربتها عليك أو الذي يهمهم هو التربح لا الحياة.
إن كل الذي يأتي مختصرًا ، يحتاج لتفصيلات تحققه ، لتفاسير تثبت صحته ، ولفلسفة تبرز الجوانب العميقة به ، وبدون كل ذلك فهو بخانة الشعري ، الذي لا يمكن الاعتماد عليه حين الرياح والحرائق. ،
الناس بحاجة لتتعلم “كيف” ،
وترفعها تحية يومية لها ، لتستوعب وترتفع عن أخطاء الدعاية والاستعراض.

عصام مطير البلوي

،

الرسمة الملحقة للرسام الأمريكي Frederick Childe Hassam تـ1935م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.