الشعر والملحن والغناء ..

‏‏image_1425إن الشاعر أثناء كتابة القصيدة يكون منساقًا لجرسه الموسيقي الذي ينظم عليه كلماته وأحزانه وأشجانه وآهاته التي تنوء بها الجبال ولكن الملحن يفعل أعظم من هذا،
فالشاعر المبدع يبصر علاقات الموسيقى الداخلية بنصه ، يشعر بها ، يفهمها ، يدركها ، يهندسها ويبني عليها
‏أما الملحن فدوره أعظم ، لأنه يضعها تحت المجهر..
إذ يتيح لغير الشعراء الاستماع لموسيقى النص،
سيستمعون للموسيقى التي بالأساس يشعر فيها الشاعر ويزرع فيها معانيه .
‏ولأن الملحن ، عليه دور التكبير ليسمع ويعي الجميع الموسيقى الكامنة بالنص الشعري فهو يبتكر ويبدع اللحن الموسيقي أي التكبير المناسب لها.
والملحن الموسيقار ،
يبدع أشكالًا من الموسيقى قد لا يجد لها شعرًا مناسبًا ، إمّا لقلة اطلاعه أو لأن الشعر العربي لم يتجه بأوزانه الموسيقية لبحور جديدة تناسب تلك الأشكال ..

،

وهذا الإشكال قديم ، فقد نقل الأصفهاني بكتابه الأغاني شيئًا من هذا بالجزء ١٨ ص٥٣

img_2941

وهذا الإشكال أيضًا يبيّن مدى موهبة الملحن التي لا تحدها اللغة ، ولكن الموسيقار العربي القديم كانت موسيقاه لا تجد أذنا إلا بارتباطها بالشعر وهذه معضلة أخرى تكلم عنها النقاد .

وخلاصة القول :
إن الملحن المبدع هو كل الشعراء وكل القصائد وكل الفن فليس ثمة إبداع أعظم من اختراع نغمات وألحان تزف الكلمات نحو القلوب بشكل أبلغ وأعظم.

وإذا تأملنا الشعر العربي
فنحن أمام قصائد قائمة بذاتها لا تعتمد على وجود المطرب وأدواته الموسيقية فمسارها الطربي الانفعالي سيلقى بالموسيقى الغنائية القليل من الإضافة المرتبطة بالتركيز وقد تخسر بعضها ذلك أيضًا ،
وهنالك قصائد سيمنحها الغناء بموسيقى المسرح ظهور جوانب الجمال بها ولو قُرِئت بعيداً عن المطرب والموسيقى لمَا لفتَت الانتباه لها عادةً ، وتلك القصائد هي غالب ما نسميه الشعر الغنائي .
بالأغنية يكون للجمال اعتماد على ثلاث مكونات : صوت المطرب ، اللحن الموسيقي ، النص الشعري .
وبها يكون الشعر ليس مرغوباً لِذاته ..

والنص الشعري الناجح غنائياً والمتداول لا يعني بالضرورة بلاغته وجماله بل غالباً هو أقل من مستوى النصوص غير المغنّاة .

السائد عن فنون الغناء أنها تميل إلى رغبات الجماهير التي بكثير من شرائحها ليس لها ذائقة أدبية عالية وغير مهتمة سوى بالمقاربات الحسية البسيطة
وكذلك فهي الجماهير التي تهتم بجودة الموسيقى واللحن ، وصوت المطرب وموجّهة ومسيطر عليها من شركات فنية ربحية لا تخدم الفن بقدر خدمة الربح.
النص الشعري في هذا الحال سيكون بسيطاً غير معقد وتنوعه البلاغي منعدم وهبوط مستواه صفة مميزة ومزية له ..
هذا يفسر تداول بعض الأشعار التافهة (حين قراءتها بعيدا عن الموسيقى ) بالغناء ..
تفاهة النص الغنائي أو بساطته هي مزية لأن من السهل عليه ولوج روح المستمع أو المشاهد بلا جهد إضافي لمعالجة الصور والتراكيب المعقدة
التي يتميز بها الشعر القائم بذاته ويحتاج إلى دراية واهتمام بالأدب أي أن يكون المتلقي بذائقة أدبية مرتفعة تهيء له فهم النص والتلذذ به .

هل ستنجح القصيدة القائمة بذاتها في نموذج الأغنية المعاصرة ؟
ربما ستنجح إن كانت بالفصحى عند طبقة الأدباء والمهتمين بالأدب وأما غيرهم فقلة الذين ستعجبهم .،ولعل بعض القصائد القائمة بذاتها حين نجحت بالغناء المعاصر خضعت قبل ذلك لإعادة إخراج وبإبعاد بعض الألفاظ والمعاني المعقدة .
نعم تستطيع الموسيقى المحيطة بالقصيدة إثارة الانتباه لأجزاء مهملة بها بالقراءة لكن الموسيقى اللحنية تنال من وعي المستمع وينخفض بها حس التواصل
بين تراكيب القصيدة وقدرة الشخص على تفكيك وربط الصور الخيالية المعقدة والمفارقة والمقاصد التي يريدها الشاعر فعليا ثم
إن أزمة الأغنية أولا وآخرا هي أزمة الذوق الأدبي العام عند الجمهور وهذا أمر من الصعب جدا الارتفاع به
لذا ستظل القصيدة القصيدة بعيدة عنها..

،

لنعود للشعر الغنائي ، يفضّله الكثير بأن يكون بدرجات شاعرية منخفضة ، فالأغنية بموسيقى وصوت ووقت محدد تستحوذ على أجزاء كبيرة من التركيز للمتلقي..
والكثير من القصائد المستقلة القائمة على أساليب وأصول الشعر تُعدّل لتكون أبسط وأسهل للاستماع بالغناء ، وبذلك يفقد النص علاقات وتبدل كلمات لتناسب مستويات فن الغناء الهابطة مقارنة بها .

نضرب مثالًا ،

يقول نزار قباني :

” يا ثَمَراً يملأ أغصاني
ويضربُ مثلَ البركانِ
يا نهداً .. يعبقُ مثلَ حقول التَبْغِ
ويركُضُ نحوي كحصانِ

،

قولي لي :
كيف سأُنقذُ نفسي من أمواج الطُوفَانِ ..

قُولي لي :
ماذا أفعلُ فيكِ ؟ أنا في حالة إدْمَانِ

وهذا مقطع غنائها بصوت كاظم الساهر
القصيدة بالأغنية عُدّلت لتناسب الذوق الغنائي ،

https://soundcloud.com/kero-nabel-1/aqrsfknjcl6f

سألقي النظر فقط على تعديل كلمة : التبغ ، للورد
هذا التعديل مناسب للذوق الغنائي لكنه بالشعر أفقد العلاقة الرجعية للسطر الذي يقول فيه:
“قولي لي ماذا أفعل فيكِ أنا في حالة إدمانِ “

فسطر التبغ:
“يا نهداً .. يعبقُ مثلَ حقول التَبْغِ”
أسس لسطر الإدمان ، وهذا هو الشعر يتبادل العلاقات البينية بالنص ..

إن الشواهد على التغييرات النصية لتناسب وظائف الأغنية كثيرة ،
وكما يقال بأن كل الفنون تقترب من الموسيقى ، فلعل تلك التعديلات في تقديمها مصلحة الذوق الغنائي الخاص على تراكيب النص البينية هي شكل من أشكال ذلك الاقتراب .

،

عصام مطير البلوي

الرسمة الملحقة للفنان ليونيد أفريموف من روسيا البيضاء ، وُلد عام 1955م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.