البيت بالقصيدة العمودية…

IMG_4496[485]تأخذ القصيدة العمودية شكلًا ثابتًا في اعتمادها على البيت الشعري حيث يلتزم الشاعر بمدى موسيقي وقافية خلال القصيدة وفي بعض القصائد يستخدم أوزانًا أخرى بفقرات من النص لكنها أيضًا تعتمد على البيت الشعري ماعدا
القصائد الممزوجة التي تعتمد على البيت والسطر والشكل المتفاوت .
بالقصيدة العمودية يكون الشاعر ملزمًا بتبيان ما يريد شعريًا على نسق الشطرين للبيت الواحد مثلًا ، وهذا يدفعه لتكوين علاقات بين الشطرين وأيضًا بين الأبيات لتحقيق مراده والمحافظة على الانسجام.

يقول المتنبي:
نبكي على الدنيا وما من معشرٍ…
جمعتهم الدنيا فلم يتفرّقوا
،

البيت في القصيدة ، يحمل أدورًا وظيفية داخلها لتشكيل وتركيب وجودها وما تقتضيه من معاني ومشاعر وما تود إيصاله وإبلاغه مع أهداف الشعر الفنية والمادية والمعنوية ….
إن ذلك البيت السابق داخل قصيدة المتنبي ، جاء منفّذًا المهام الأخرى في الانتقال داخل النص والتهيئة للذي يريده المتنبي ،
لم يأت البيت منفردًا ، جاء بعد أن توغّل المتنبي في إدراك معاناة العشاق بقصيدته :

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.


وأبياتها الثمانية الأولى:
أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلِيَ يَأرَقُ
وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ
،
جُهدُ الصَبابَةِ أَن تَكونَ كَما أَرى
عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ يَخفِقُ
،
ما لاحَ بَرقٌ أَو تَرَنَّمَ طائِرٌ
إِلّا اِنثَنَيتُ وَلي فُؤادٌ شَيِّقُ
،
جَرَّبتُ مِن نارِ الهَوى ما تَنطَفي
نارُ الغَضى وَتَكِلُّ عَمّا تُحرِقُ
،
وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتّى ذُقتُهُ
فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ
،
وَعَذَرتُهُم وَعَرَفتُ ذَنبِيَ أَنَّني
عَيَّرتُهُم فَلَقيتُ فيهِ ما لَقوا
،
أَبَني أَبينا نَحنُ أَهلُ مَنازِلٍ
أَبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنعَقُ
،

ثم البيت:
نَبكي عَلى الدُنيا وَما مِن مَعشَرٍ
جَمَعَتهُمُ الدُنيا فَلَم يَتَفَرَّقوا
،،
الذي جاء بالانتقال الثاني للمتنبي بنصه فبعد تأسيس مشهد العاشق “المحروم” نقله المشهد لتذكر الفراق فأسس مشهده
ثم ربطه بالموت وتحدث عن الخوف من الفراق
ثم جهّز بعد ذلك انتقاله للمديح
والوصول للبيت الأخير الذي يؤكد أنه لم يفارق الناس الكرام ولم يموتوا وأنت حي (يقصد شجاع الأزدي)

ولبيت الشعر عمومًا في القصيدة هذه الأدوار :
١.هو وحدة لها معنى مفهوم ، إن كانت صورة أو جملة مباشرة .
وغالب الشعر التقليدي والرديء يكون البيت بتواصل ضعيف مع غيره ويصلح ليقال منفصلًا ، لأن الشاعر بناه ليكون مؤديًا لمعناه دون مشهد أو قصة ينسجها بنصه

٢.هو امتداد لما سبق وليس انفصالا كاملا عنه ، أي أنه جزء من القصة التي تنظمها ، وإذا كان لمشهد جديد فيجب أن يعي المتلقي الانتقال..
فمثلًا
هذا البيت :
وَعَذَرْتُهُمْ وعَرَفْتُ ذَنْبي أنّني
عَيّرْتُهُمْ فَلَقيتُ منهُمْ ما لَقُوا
،
لن نفهمه إلا بقراءة ما سبقه …

وأما هذا البيت :

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ
فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ
،
فنستطيع أن نقرأه بعيدًا عن البيت الذي يسبقه
لكننا سنفقد التدرج والدخول بلذة أعلى في فهم البيت بناء على ماسبقه ،

وقد نقرأه بعيدًا عن البيت الذي يليه
لأنه مكتمل المعنى لكن البيت الذي يليه أضاف جانبًا سرديًا في تسلسل إدراك وتفسير المتنبي للعشق والعشاق ….

٣. للبيت أيضًا دور تهيئة لما بعده ويخطط ما اذا كان الذي يليه انتقال لمشهد اخر داخل النص أم لا
فقول المتنبي :
،
أبَني أبِينَا نَحْنُ أهْلُ مَنَازِلٍ
أبَداً غُرابُ البَينِ فيها يَنْعَقُ
،
هو تحول نحو الحديث عن الموت والانتقال من الفراق عند العشاق للفراق بمعنى الموت ….
وجاء النداء
لتأسيس الانتقال وإبداء الرأي ولفت الانتباه لتجاوز الحديث عن العشق للحديث عن الفراق ،
والأفكار التي استخدمها مترابطة أيضًا من خلال الأبيات ، وهي العنصر الثاني بتماسك القصيدة :
العشق /الفراق ، الحياة /الموت ، الفقر والغنى ومديح الرجل الذي وجه له المتنبي القصيدة…

٤. سياقه بالقصيدة يحدد معناه أي مقصد الشاعر ، ولو عُزِل عن القصيدة لامتلك أحيانا معنىً آخرًا ..
((نجد ذلك بقصائد أخرى سنذكرها بالمستقبل في موضوع منفصل ))

٥. يؤدي البيت ببعض المواضع بالقصيدة دور الجسر “انتقال فقط” وأحيانًا يؤدي دور المركز والمحور أي خلاصة القصيدة أو هدفها الأساسي ..
ومثال الأول قوله :
والمرء يأمل والحياة شهيةٌ..
والشيب أوقرُ والشبيبة أنزَقُ
،
والأخير غالبًا :
(مات) الكرام وأنت (حي) تُرزق

٦.يؤدي البيت ببعض المواضع بالقصيدة دور الربط الثنائي فهو يربط البيت السابق بالبيت التالي وبنفس الوقت يمد يدًا تربطه ببيت سابق بعيد عنه ..
ومثال الارتباط البعيد لما سبق من أبيات ، شطر بيته الأخير :
“(مات) الكرام وأنت (حي) تُرزقُ”

فلفظ “مات” و “حي” يشيران الى ما كان يتحدث عنه من حياة وموت ، عشق وفراق
وقد تلاعب المتنبي في ذهن المتلقي ليجعل ذاته من العشاق المخلصين والمحرومين الكبار …..

وبهذا فإن القصيدة من حيث تكوين الأبيات عبارة عن مخطط دقيق وليست عشوائيات تتخبطها العاطفة ،
فالشاعرية بالنص نفسه ليست على وتيرة واحدة وارتفاعها وانخفاضها مع المحافظة على مبادئ الشعر يمنح القصيدة جاذبية .
والشاعر عليه هندسة مواضعها
بذكاء كتصميم المنزل بعدد الغرف وأماكن الشبابيك والأبواب ومسار الممرات ومساحة الحديقة والشرفة إلخ
فالقصيدة هندسة عمرانية ، كل جزء فيها يجب أن نركز فيه ونتخيله ونعيشه ونلاحظ كل انتقال بها كيف حدث ولماذا وعلى ماذا استند وأين ومتى ومدى التماسك والانسجام والكثافة…
،
عصام مطير البلوي

الرسمة الملحقة للرسام الألماني Emil Nolde تـ1956 م

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك