الحوار بالشعر ، مُحاجّة المعري

IMG_4255“قالَ المَنجّمُ والطّبيبُ كِلاهما:
لا تُحشَرُ الأجسادُ؛ قلتُ: إليكما
،
إن صَحّ قولُكما، فلستُ بخاسرٍ،
أو صَحّ قولي، فالخَسارُ عليكما”
،
المعري
من قصيدة عظيمة بالتوحيد والإيمان ، أخذت المُحاجّة شكلًا شعريًا هادئًا ، والقصيدة على البحر الكامل وبقية أبياتها :

طَهّرْتُ ثَوْبي للصّلاةِ، وقبلَهُ
طُهرٌ، فأينَ الطّهرُ من جسديكما؟
،
وذكرتُ رَبّي، في الضّمائرِ، مؤنساً
خَلَدي بذاكَ، فأوحِشا خَلَديكما
،
وبكرْتُ في البَردينِ أبغي رَحمَةً
منهُ، ولا تُرَعانِ في بُرْديكما
،
إنْ لم تَعُدْ بيَدي مَنافعُ بالذي
آتي، فهلْ من عائدٍ بيَدَيكما؟
،
بُرْدُ التّقيّ، وإن تَهَلّلَ نَسجُه،
خيرٌ بعلمِ اللَّهِ من بُرديكما

والحوار في الشعر له مكانته في تكوين القصة وجذب الانتباه ومنح المحاجّة إمكانية شاعرية لا يتيحها لها
بفاعلية الشعر المرسل بلا حوار ، لأنه حينها سيضطر الشاعر للتخييل أو سيصبح نصه مباشرًا يشبه نظم العلوم (الألفيات عند العلماء) ، والتخييل لا يصلح للمحاجة الفكرية إلا بحدود ضيقة جدًا….
والحوار بالشعر أيضًا يكون بفاعلية أكبر إذا كان النص يحمل أجزاءً لا حوار بها ، أن يكون النص مثلًا به تقنيات إضافية مثلًا التضمين ، الوصف ، استحضار واقعة تاريخية ،
أو سرد أحداث لها علاقة بالحوار (خارج قوله أو رده) ،
وما سبق لم يكن بنص المعري لكن
ذلك لم يمنع من تحقيق مراد المحاجة
إذ أن المحاجة تفنيد ودحض لآراء الآخر بعد عرضها وتقديم رأي آخر يدعمه بأدلته ، وهي تعبير أيضًا عن الذات ودفاعٌ عنها وعما تراه من صواب ، ولن تؤدي تلك الأغراض بفاعلية إلا من خلال الحوار ،
فلا محاجة بالعنف مثلًا ، وبالنسبة لكيان الشعر فإن المحاجة لن تكون بالهجاء ، لأن المناسب والغرض والهدف هو الإفحام لا الشتيمة ، فكان الحوار أفضل وسيلة بالشعر لتنفيذها ،
وحين النظر بالكثير من النصوص الشعرية العربية نجد عنصر السؤال هو أهم الأدوات في إجراء الحوار شعرًا ،
فمثلًا
بنص من نصوص عمر بن أبي ربيعة وهو ملك الحوار الشعري نجد السؤال مطلعًا :
“قال لي صاحبي ، ليعلم ما بي :
أتحب القتول أخت الربابِ؟
،
قلتُ : وجدي بها ، كوجدك بالماء-
-إذا ما مُنعتَ بردَ الشرابِ “
والهدف بالسؤال التمثيل والتبيان ومفاقمة المعنى من خلال تشكيل الحوار بدلا من وضع التشبيه ببيت أسلوبه مباشر ، حيث بالحوار تكون فاعلية المقارنة إضافة شيقة للمعنى المراد

وفي نص المعري لم يتأخر السؤال كثيرًا للتبيان وإبراز المقارنة فقد ظهر بالبيت الثالث بشاعرية الاستنكار والاحتجاج ضمنيًا :
،
طَهّرْتُ ثَوْبي للصّلاةِ، وقبلَهُ
طُهرٌ، فأينَ الطّهرُ من جسديكما؟

وفي البيت السادس أيضًا :
،
إنْ لم تَعُدْ بيَدي مَنافعُ بالذي
آتي، فهلْ من عائدٍ بيَدَيكما؟
،
المعري

وقد نال نص المعري شاعرية التوزيع ، إذ ظهر سؤاله الأول في البيت الثالث ، وسؤاله الثاني بالبيت السادس ، ليحقق توزيعًا منظمًا يثير الشعور…
وبفعل القافية نالت المخاطبة في النص مواجهة الخصوم بفاعلية أكبر مقارنةً لو كانت بعيدة عن القافية مما أكد المحاجّة وقوتها

وقد اختلف البناء النحوي والأداة الاستفهامية في السؤالين :
“فأين الطهر من جسديكما”
،
“وهل من عائدٍ بيديكما “
،
وهذا الاختلاف بالتركيب حافظ على شاعرية النص بتجنّب التكرار الرديء ، وسمح بأبيات أخرى لإكمال الحوار بجهات مختلفة
وبما أن المحاجّة عادة ما تكون في المقارنة والمآلات ، فإن مسلكها بالشعر وخاصة عند المعري لم تبتعد عن ذلك ،
فيقول ببيته الـ٤و٥:
،
وذكرتُ رَبّي، في الضّمائرِ، مؤنساً
خَلَدي بذاكَ، فأوحِشا خَلَديكما
،
وبكرْتُ في البَردينِ أبغي رَحمَةً
منهُ، ولا تُرَعانِ في بُرْديكما

وقد سمح الحوار بالشعر أن تكون المحاجّة محافظة على شيء من عناصرها ،
لأن الحوار كما أسلفت يسمح بتمرير الأسئلة والمقارنة …
والمعري بارع
في البلاغة فحقق بذلك شاعرية مناسبة لاتجاهه ،
لكنه كان بعيدًا عن الخيالات الكثيفة وهذا معظم شعره عليه وقد ناسب عصره وطبيعة الشعر آنذاك

عصام مطير البلوي

 

الرسمة الملحقة للرسام الايطالي Hermann David Salomon Corrodi تـ1905م

 

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك