نيتشه وأفكار الشعراء

DhYmylHVAAEgWXe“ربة الإلهام الشعري التي لا يبدو أنها من عشيقات الواقع ، لن تكون هي الواقع بطبيعة الحال وستلد لصاحبها بالتالي أطفالًا بأعين غائرة وعظام هشة “

نيتشهDSjBKQFWsAAr5Jh

تذكرني كلمات نيتشه عن الإلهام والواقع ، ما قاله أفلاطون عن الشعراء حين وضعهم بمرتبة أقل في جمهوريته .
الواقع الذي يتكلم عنه نيتشه هو الطبيعة التي يتحدث عنها أفلاطون وأنها محاكاة لعالم المثل ،
والشاعر عند أفلاطون أقل من الصنّاع وأهل الرأي فهو ينتج محاكاة للمحاكاة لذلك هو الأبعد عن عالم المثل والقريب من العرافين والطغاة ….
نيتشه في مقولته أيضًا ينطلق من كون الشعر ليس أداة تفكير وبالتالي فإنتاجه سيكون أدنى من الواقع ، (مشوّه وهزيل) .
التقارب بين الرأيين كبير وكما قيل :
“إن الفلسفة بعد أفلاطون ليست أكثر من ملاحظة هامشية على أعماله ..*
Alfred North Whitehead
عالم رياضيات وفيلسوف انجليزي
١٨٦١-١٩٤٧م”
الإضافة البسيطة التي أضافها نيتشه انطلقت من كونه ملحدًا ، وقد قلل من شأن الإلهام ودوره ليجعل رأيه ذاك بلا استثناء ، بعكس أفلاطون الذي استثنى بانتقاداته شعراء الإلهام الذين يكتبون الشعر في الفضيلة والإلهي .
لم تكن على كل حال إضافة كبيرة لكنها تشير لاعتقاداته الكونية …
بالنسبة لكثرة انتقاد الفلاسفة الشعراء في كتبهم،
فإننا سنختصر الكثير من الشرح بما قاله أفلاطون على لسان سقراط في الجمهورية الفاضلة :
“إن بين الشعر و الفلسفة معركة قديمة العهد .”

لكن الموقف الفلسفي من الشعر نجده مختلفًا عند سارتر الذي يُعده من باب الرسم والنحت والموسيقى وهو القائل لعبارة ”
ليس هناك من عبقرية إلا متجلية في إنتاج فني”
وقد ميّز سارتر بين الناثر والشاعر في تعاملهما مع عاطفتهما :
“الناثر يجلو -يكشف- عواطفه حين يعرضها أما الشاعر فإنه بعد أن يصب عواطفه في شعره ينقطع عهده بمعرفتها: إذ تكون الكلمات قد سيطرت عليها ونفَذتْ”
والعاطفة لها دور كبير في الدافعية للإنتاج إن كان فلسفيًأ أو شعريًأ ولها دورها الأساسي بعملية التفكير وإنتاج المعاني فليست عائقًا في تبيان المعاني
لكن الشاعر يمنحها الظهور الأكبر من خلال الإيقاع والصور الخيالية لتبيانها وللتخلص منها أيضا ، ومع ذلك
فإن قيمة تلك الأفكار التي يطرحها الشاعر لم ترق لنيتشه فيقول بنص آخر :
“إن الأفكار تمضي عند الشعراء الحقيقيين محجبة على غرار المصريات النظرة الثاقبة للفكرة وحدها هي التي تلوح من خلف حجاب فأفكار الشعراء في مجملها أقل قيمة مما نمنحها ، إننا نضيف إليها قيمة الحجاب وقيمة فضولنا الخاص عند تثمينها”

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.


،
هذا القول لنيتشه ، أيضًا سبقه إليه أفلاطون في معنى هشاشة أفكار الشعراء بقوله :
،
“إنّ الشاعر كالرسام الذي يرسم إسكافياً دون أن يعرف شيئاً عن إصلاح الأحذية ويقدم صورته لأناس لا يعرفون عن الأمر أكثر منه ..”

ولابن رشد تعليقه أيضًا في شرحه لكتاب المدينة الفاضلة :
إذ قال والشرح لابن رشد : “جمال الشعر يكمن بسحر الوزن والإيقاع الذي يدفع للإعتقاد بأنه حديث خلاب ولكن لو نزع القالب الشعري سنرى حقيقته” !!
لكن نيتشه قد تقدم في هذا الموضوع بزاوية التصوير ، إذ جعل الفكرة مثل المرأة المصرية المنقبة والتي لا تبصر منها إلا نظر عينيها وهذا الجانب في خفاء بقيتها دافع للفضول .
فجاذبية الشعر :
الغموض والفضول ، جانب بسيط يظهر من الفكرة وفضول كبير منا للبحث عن كل بقية الأجزاء مما يدفعنا لمنحها قيمة أكبر مما تستحق.

السؤال هل كانت أفكار الشعراء بكونها أقل قيمة مما نمنحها أو رديئة، ناجمةً عن سوء التفكير والثقافة الخاصة بالشاعر ذاته أو لأن ميدان الشعر بأوزانه وتراكيبه وشكله يمنع الظهور الجيد لها ؟
بالنسبة لنيتشه الإشكالية بالشعر ذاته
وبرأيي علينا
أن ندرك أن الشعر هو طريقة تعبير مغايرة للحديث والخطابة والجدل ، وإيصال المعاني للمتلقي تحتاج منه أيضًا أن يكون مالكًأ
لآلة استقبال مغايرة للشخص العادي غير المكترث بالشعر أي ذاك الشخص الذي يفقد وجود مثل هذه الآلة/الموهبة ،
وتقييمنا إذن مبني على المعتاد من تفكير وتلقي وليس على موهبة فهم المعاني بطريقة الشعر .
الذين يمتلكون موهبة التلقي المغايرة للمعتاد أي موهبة فهم الشعر والتأثر به ، سيجدون بالشعر تأثيرًا كبيرًأ عليهم ومحفزًا ومطورًا لأفكارهم وكيف يتعاملون ،
هذا إذا كان المقصد من قول نيتشه عن رداءة الأفكار جميعها ، أو بقيمة تأثيرها وفاعليتها .
أما كونها لا تظهر إلا منقبّة بنظرات ثاقبة ويخفى تفاصيلها فليس دائما هذا الحال ، وكذلك فإن الأجزاء التي لاتظهر نصًا تأتي مفهومة ومؤثرة في فحوى النص عند المتلقي (المالك لموهبة الشاعرية وفهمها)
وبرأيي أن رداءة الأفكار إذا ما وجدت فهي متعلقة بثقافة الشاعر وعقله وليست بكيان الشعر ذاته ، هذا في حال الرداءة أما بحال أنها تأتي بضبابية وغموض تجعلنا بفضول نحمله نمنحها قيمة أعلى مما هي عليه
فالأمر يحتاج تفصيلًا،
فمسألة فهم النصوص الشعرية يتراوح المتلقون فيها بين من يدرك أعماقها وبين من لا يتجاوز ظاهرها ، وبالتالي فإن هذا التباين في فهمها في حال ما كانت النصوص محبوكة جيدًأ من الشاعر ، يثير التقليل من شأنها عند
الفلاسفة أو المعتادين على التلقي المباشر (المعتاد) ، لكن النصوص الشعرية أيضًا تختلف في تبيان أفكارها وفق الأسلوب : الحوار ، القصصية إلخ ولا يمكن وضعها بسلة واحدة ،
وبهذا فإنا كلام نيتشه لا يمكن تعميمه على مجمل الشعر ، ويظهر أن هذا الهجوم على الشعر عند الفلاسفة لكون شعراء عصورهم ممن يدعمون السائد فكريًا ويمثلون ردعًأ للتفكير المغاير والجريء الذي تتصف به الفلسفة فأغلب الشعراء
إلا قلة ، يمضي أيضًا في الجمود ومهاجمة الأفكار التي لا تلقى رواجًا بين العامة أو دعمًا من السلطة .

عصام مطير البلوي

 

الرسمة الملحقة للرسام الهولندي الشهير فان كوخ Vincent Willem van Gogh تـ1890

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.