نيتشه وشعراء المدن…

IMG_4147[170] “إلى شعراء المدن الكبرى
من خلال النظر إلى حدائق الشعر الحالي نلاحظ أن مجاري المدن الكبرى قريبة جدًا منها ، داخل روائح الأزهار هناك شيء ممازج لها يفشي قرفًا وعفونة،
وبكل ألم كنت أسأل : هل أنتم في حاجة أيها الشعراء أن تتخذوا من البلادة والقذارة عرّابًا كلما كان عليكم أن تعمدوا إحساسًا جميلًا بريئًا ؟
هل ينبغي عليكم بالضرورة أن تضعوا على رأس آلهتكم النبيلة قلنسوة مهرّج وقناع شيطان؟ ما هو مصدر هذه الحاجة وهذه الضرورة؟
إنها ما من شك بذلك ، حياتكم بالقرب من المجاري

فريدريك نيتشه

DRCmZvlW4AEMKWE2

يبدي نيتشه استياءه من المستوى الشعري الذي ينتجه شعراء المدن الكبرى ، وقد اختار في نصه كلمة “المجاري” ليشير بذلك إلى أسوأ مشاعر القرف
التي تصل للمرء من قراءة نصوص ممزوجة بأثر المدن ، أي العمران والتخلي أو الابتعاد عن الطبيعة
وأتفق معه بذلك
فبارتفاع شأن المادة تنخفض قيم الشعر ، لأن الذاكرة نفسها أصبحت مكتظة بالمحاكاة الرخيصة والحياة الضيقة والانقطاع عما هو طبيعي ،
فالشعر إنتاج الطبيعة ، إذ أن تراكيبها وأحداثها التي مكنت العقل من النهوض ، مازال بها ما يحمل شيئًا من الغموض والحيرة ، وما يتسبب بصنعة الشعر
وحين تضمحل علاقة الإنسان بالطبيعة ، وتقوى علاقاته مع الحضارة والتقنية والبنيان ، تنخفض قواه التخيلية أو تتشوه بقدر ابتعاده عن الطبيعة
حتى قراءة الشعر حينئذ تصبح مملةً !
لكن الجانب السلبي للمدينة ليس على الشعراء كما يقول فحوى نص نيتشه السابق ، فالمتلقي أيضًا له دور في فاعلية النصوص لأنه هو المتفاعل معاها والمرجح لها
والمشارك بالتوجيه في الذوق المناسب والصور والمواضيع لذلك المجتمع بتلك الفترة والمكان،
فالخيالات المستخدمة مثلًا عن الطبيعة وتراكيبها ليست ذات تأثير على المتلقي الملتصق بجدران المدن لكونه لا يعرفها أو ليست بتواجد كثيف ومؤثر،
أي أنه لا يشعر بقوتها فهي لم تكن بذاكرته أو أنها بلا قيمة مؤثرة أو بالكاد يجد لها أهمية،
فتلك الخيالات التصويرية القادمة من تراكيب الطبيعة لم تكن متغلغلة كما كانت في الإنسان قديمًا .
كيف سيشعر بمعنى الوادي أو السيل ذاك الذي لم يره إلا بالتلفاز مثلًا في عصرنا الحالي ؟!
الكثير مما في الطبيعة يتهاوى هذه الأيام..
يتقزم الشعر ويتشيء ويُحتكر ليصبح سلعة حكومية رخيصة تغذي بها الدول نفوذها السياسي أو مكانتها بما يسمى قوة ثقافية مهيمنة وما إلى ذلك ،
ويتراجع تأثير الشعر بقصائده ، والنثريات برواياتها من الناحية الشاعرية والأدبية لتواكب التدهور الذوقي الذي صنعته المدن الكبرى
ولتتناسب مع سكان تلك المدن ، الشاعر حينها أحدهم ولكنه ليس وحده المسؤول عن ذلك.

عصام مطير البلوي

الرسمة الملحقة للفنان النرويجي Edvard Munch تـ1944م

 

 

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك