المخاطبة في الشعر …

IMG_4045[137]

ينقل الشاعر أحاسيسه ومشاعره بالنص الشعري من خلال أساليب مختلفة من التعبير ،
لعل أهمها هو المخاطبة حيث تمنح معنى التواجد وتعزيز مركز الشاعر وعلاقاته مع محيطه وتضيف القدرة على تركيب المشهد وتوزيع المعاني في أشكال المناداة والمناجاة والحوار والدعاء إلخ …
والمخاطبة بالشعر ، هي صناعة لمشهد قصصي ، قد يطول ويقصر ، وقد يكون جزءًا من تسلسل مشاهد أخرى وأساليبها المختلفة ،
وهي مؤدية لغرض الإبلاغ ومفاقمة الشاعرية في المقارنات والاستدراك والالتفات والمفارقة ،
ومن خلالها قد يوصل الشاعر معانيه بطريقة أسرع وأوجز وأبلغ من الوصف المباشر لحاله ،
والمخاطبة قد تكون بين الشاعر ونفسه أو بينه وبين الآخرين ، أو بين مجموعات ومجموعات ،
وفق ما يريد من نصه ، وأغراضه ،
وشاعرنا محمود البارودي في نصه القادم خاطب الحمَام بندائه وتساؤلاته وكوّن المشهد منذ بداية النص،
فشاعريته كانت
عظيمة حين قال :

أَلا يا حَمَامَ الأَيْكِ إِلْفُكَ حَاضِرٌ..
‏ وغصنُكَ ميَّادٌ ، ففيمَ تَنوحُ ؟
،

‏والبيت مطلع لنتفة شعرية له على البحر الطويل ،
‏وإذا تمعنا بالبيت جيدًا ، سنجد أن المشهد الذي نراه بالبيت يجعلنا تلقائيًا ، نعكس حال الحمَام إلى الضد عند الشاعر
،
‏وبذلك فإن السياق المتوقع للنص أن يشكو الشاعر حاله بعد أن مهّد لنا وصف حاله بمخاطبته الحمام وسؤاله
فها هو يكمل المشهد:‬‬

غَدَوْتَ سَلِيماً في نَعِيمٍ وَغِبْطَة ٍ
‏ولكِنَّ قلبي بِالغَرَامِ جَرِيحُ
،

‏وبهذا يكون البيت الأول صوت الشاعر ، والبيت الثاني صداه ، فالمخاطبة الشعرية تأخذ أسلوب الضد أو المقارنة الضمنية ، ويكون المعنى المتبادر يتبعه معنى لاحق يخص الطرف الآخر ، ويأتي البيت الشعري صوتًا للشاعر والبيت الذي يتلوه عادةً صداه المعنوي أو تفسيرًا لمقاصده أو تحديدًا لها من خلال الإخبار عما لديه أو ما يعيشه ، وهو بهذا يقيم ما يُعرف باسم الالتفات ، يخاطب ثم يلتفت لذاته ويخبر عنها وهكذا
‏أي أن الشاعر يؤسس بالمخاطبة ثم يشرح ويفسّر ..

‏في البيت الثالث ،
‏فاجأنا الشاعر بإبداع في السياق ، حيث انتقل من تفسير الحال “الواقع” إلى المحال “الخيال” في مخاطبته ،
‏‏بقوله:
فإن كُنتَ لى عوناً على الشَّوقِ فاستعِرْ
‏.. لِعَيْنَيكَ دَمْعاً، فَالبُكَاءُ مُريحُ
،

‏ثم ختم المشهد بتأكيد المقارنة وتفوّقه بدموعه :
وإلاَّ فدَعنى من هديلكَ ، وانصرِفْ
‏فَلَيْسَ سَواءً بَاذِلٌ وشَحِيحُ
،

‏بهذا النص ، يبرز أسلوب المقارنة والضد لتعظيم الشاعرية ،
‏وهذا ما نراه بالشعر عمومًا من خلال ذكر المتضادات إما ألفاظًا أو أحداثًا أو مشاهد
‏‏فالشاعر قد يضع المتضادات لتبيان الحال فمثلًا الليل والنهار ، الموت والحياة ،
‏ومن خلال الأضداد يمكّن ويبالغ ويعزز طرفًا على طرف بسياق النص ليشير لما يقصده
‏وبالنسبة للبارودي ،
أراد حكاية معاناته وحزنه وغرامه ، فاختار أن يضع مشهد المقارنة مع الحمام الذي خاطبه وبيّن الفروق بينهما
‏وبهذا أثار عاطفتنا وأبلغنا معانيه بتركيب المشهد الذي نتخيله وهو يتكلم مع الحمام وينقل لنا خطابه ويضعنا بموضع الحكم المؤيد له .
،

المخاطبة في الشعر ، مقالة كتبها :
عصام مطير البلوي

 

 

الرسمة الملحقة للفنان الامريكي الكندي
Ernest Lawson (March 22, 1873 – December 18, 1939) was a Canadian-American painter

 

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.