شاعرية التوزيع ..

DcOY-YwWsAAhycl ما نراه موزّعًا في تراكيبه وصفاته ، يثير فينا رغبة التأمل والإصغاء والطرب ،
فالتقسيم والتفريق والربط هم العمل الفني عموما حيث يكون شكل وحجم واتجاه التوزيع دلالة على ذوق ودافعية المرء نحو الانسجام والتواصل مع فنه أو أدبه .
أو حتى حياته عمومًا ،
وقد تعلمنا من الطبيعة أن من العناصر المهمة في الشعور بالجمال أن تكون الأشياء حاملة لتنوع مترابط أو شبه مترابط يقوم فيه التوزيع أي تشكيل وتركيب العلاقات وظهورها بمجموعات متعاقبة أو تراكيب متناثرة يربط فيما بينها ما يشير إلى إرادة .

بعض جمال وشاعرية النص الشعري العربي ،
يكون في التوزيع الشعري للأوصاف، الخيالات، النداءات ، التبرير إلخ
ولتفسير ما أقصده بالتوزيع الشعري اخترت ثلاثة أمثلة لشرح ذلك …

المثال الأول :
مَنْ كانَ فيهِ لكُلّ قَوْم مَلجأٌ..
‏ ولسيْفِهِ في كلّ قَوْمٍ مَرْتَعُ
‏،
قاله المتنبي
‏برثاء فاتك أمير الفيوم ،
‏هذا البيت فسره المتنبي بعد ذلك بتوظيفه مكانة كل حاكم بأمته بقوله :
إنْ حَلّ في فُرْسٍ فَفيهَا رَبُّهَا
‏كسرَى تذلّ لهُ الرّقابُ وَتخضَعُ
‏،
‏أوْ حَلّ في رُومٍ فَفيها قَيصَرٌ
‏ أوْ حَلّ في عَرَبٍ فَفِيهَا تُبّعُ*
،
‏وهذا التفسير بالتمثيل فاقم شعورنا بالنص ، وقد تميز نص المتنبي السابق بالتوزيع الشعري ،
‏فجعل تمثيل كسرى ببيت ، وقيصر وتبّع ببيت آخر معًا للذوق الفني‬
فهذا توزيع لتصويره من خلال القصيدة العمودية
فتصوير أخذ بيتًا كاملًا ، ثم جعل التصويرين الآخرين في بيت واحد يتلوه ، كل تصوير بشطر منه ،
فالممدوح هو كسرى إّذا حل في فرس ، وهو قيصر عند الروم وهو تُبّع عند العرب

‏والتزم البيت الثالث “قيصر وتبّع” ضمنيًا بما لكسرى بالبيت السابق “تذل له الرقاب وتخضعُ”
‏وبهذا كان التمثيل بالمكانة والتوزيع الشعري …
‏وسياق الأبيات بالتمثيل صحيح ولازمها قوله بالبيت الأول ” في كل قوم ” ، مما جعله ملتزمًا بسياق المعاني في ذكر “الفرس،الروم،العرب” أمثلةً ..
‏وهذه الدقة بتتبع كل معنى يقوله بربطه بما يناسبه من تمثيل أو خيال ، تعني أن المتنبي شاعر سياقي محترف ، دقيق في الحفاظ على ترابط القصيدة ..
‏الشاعرية في نص #المتنبي ليست بتوليد الخيالات فقط بل باهتمامه بتركيب القصيدة بسياق يحقق أهدافه من النص ، فهو يوزع المعاني والخيالات بترابط فريد…

والمثال الثاني
للتوزيع الشعري بالنص من خلال الوصف ، اخترت لكم هذه الأبيات لأبي تمام:
أَيَا مَنْ لا يَرِقُّ لِعاشِقيهِ
‏ و من مزجَ الصدودَ لنا بتيهِ
‏،
أبو تمام
‏صدر البيت حمل معنى مشاعًا بين الشعراء ، وقد أنقذ عجز البيت الشاعرية حين جاء الشاعر بمعنى تخيلي جميل “الصدود الممزوج بالتيه”.
‏والشاعرية بالنص لا تكون بخط مستقيم وبمستوى واحد ، فالاستقامة بالأساس ضد الشاعرية ، والثبات محال ، والرداءة تدفع بالجودة وتحسّن مظهرها..
‏فجودة عجز البيت جاءت من رداءة صدره ، وهذا الشعور بجاذبية المقروء لحظي قد لا يعي أسبابه القارئ لكنه موجود ومدرك ، ويدفع للاستمرار بالنص…
‏ثم استمر التدفق بارتفاع الشاعرية بالبيت الثاني بالنص :
و من سجدَ الجمالُ لهُ خضوعاً
‏ وعمَّ الحُسنُ مِنهُ مَنْ يَليهِ
‏،

‏بالبيت الثاني اكتمل لنا أسلوب التوزيع الشعري بالوصف عبر النداء :
‏البيت الأول : أيا مَن ، و مَن ..
‏كل شطر بمَن ..
‏،
‏البيت الثاني : “ومن…”
‏مرة واحدة ، وبهذا قام بالتوزيع في أسلوبه الوصفي ،
‏ليكوّن ذوقًا .
‏والشعر العربي بشكله العمودي ، قد دفع الشعراء أصحاب الذوق بالاهتمام بالتوزيع في الوصف والتبيان وفق شطري البيت أو البيت كله ..
‏فإما يكون البيت بأكمله مثالا ويلحقه بيت بكل شطر مثال ، أو العكس ..
‏وهذا ما اقتضته صنعة الشعر عند المتمكنين بذلك بطبيعتهم واكتسابهم
‏وهذا التوزيع ليس بالأمر السهل اليسير بل هو في عداد الممكنات بجهد ،
‏حيث يقتضي ذلك أن يكون الشاعر صاحب مخيلة قادرة على ابتكار ٣ خيالات وأكثر لمعنى واحد أو معنى عام متشعب قليلا بثلاث اتجاهات أو ما يقارب ذلك
،
سَليلُ الشَّمسِ أنتَ فَدَتْكَ نَفْسِي
‏ و هل لسليلِ شمسِ من شبيهِ
‏،
‏كَمُلْتَ ملاحة ُ وفَضُلْتَ ظَرْفاً
‏ فأنت مهذّبٌ لا عيبَ فيهِ
‏،
أبو تمام
،
‏بهذين البيتين سنكشف عن عبقرية السياق عند أبي تمام ،
‏إذ ألزمته المعاني السابقة للبيتين السابقين أن يصل ذهنه لرمزية “الشمس”.
‏فالنص كله أربعة أبيات :
‏بيتان وزع بهما الوصف بأسلوب التوزيع الذوقي ، وبيتان وصل مرغمًا إلى معنى الشمس نتيجةً وضعها بالبيتين الأخيرين ..
‏فالشمس لا ترق لعاشقيها ، وصدودها أي غروبها ممزوج بالتيه أي الليل ، وهي جميلة أي مضيئة ، وضوءها عمّ منها ما يليها !!
‏وبالتالي فإن الممدوح بكل ذلك كان سليل الشمس من حيث وجوده بكل ما هو بالأساس فيها .
‏هنا تحولت الشاعرية من أسلوب التنويع والتوزيع إلى تركيب المعاني ، وانتقلنا من لذة وبراعة الوصف الخطي يمنةً ويسارًا إلى جمال الوصف المركّب !!
‏والشاعر حال النظم يعي كل ما كتبت عنه وأكثر من ذلك في وجدانه ، وقد ينسى بعد ذلك كيف اتجه بالنص لمثل هذه البراعة .
،
،
المثال الثالث :
يا شطُّ ليتك سامعي..
‏أو ليتَ قلبَكَ لي يميلُ
‏،
‏يا موجُ يا ملّاحُ ،يا
‏بيضَ الزوارقِ يا نخيلُ
‏،
‏يا ريح يا سرب الطيور-
-البيضِ يرشدهُ الدليلُ
‏،
‏شارِكْنَ قلبي في المسرّةِ-
– لا رقيبُ ولا عذولُ
‏،
السياب
،
بهذه الأبيات استخدم #السياب التوزيع الشعري لنداءاته بطريقة :
نداء لكامل المشهد (يا شط) بالبيت الأول
ثم تفصيل ذلك بتقسيمه وتوزيعه بنداء كل جزء من المشهد (يا موج ، يا ملاح) و(يا ريح،يا سرب)
وبهذا كانت العاطفة في النص من خلال تجزئة المشهد ، والشعور بكل التفاصيل التي يناديها الشاعر .
،‬‬‬

شاعرية التوزيع ،
مقالة كتبها :
عصام مطير البلوي

 

الرسمة الملحقة Tulip Fields at Sassenheim, near Leiden by Claude Oscar Monet

 

5 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.