الشعر والشاعر : الأعماق والتصوير والنص

C7i96bEXgAAKeTIالاهتمام بالصور الخيالية غايةً للنص فقط يقضي على براعته فالتصوير الأدبي عمومًا مهمته تجسيد الشعور (الحقيقي) لدى الشاعر أولًا ، فاختلاف درجة الشعور في كل جزئية من القصة أو الحدث الذي مر به يجعل عملية كتابته تميل للبحث عن تمثيل مقارب لتلك الدرجة بالتأثير والحدة من ذاكرته ، أي مما مر به في الطبيعة من كائنات وعلاقات وسلوكيات وتجارب خاضها أو سمع عنها .

إنه أي الشاعر يحكي ما يجول في ذاته من تباين بالمشاعر والتقديرات من خلال اختياره الدقيق الفني العاطفي لأحداث وعلاقات وقصص ليوصل لنا كائنًا جديدًا (أي النص) من كائنات قديمة بوجودها في الطبيعة والذاكرة (أي الصور والعلاقات البينية) وبالتالي فهو يمضي ببناء النص مهتمًا بتسجيل ذاته فيه (تسجيل مشاعره وتباينها وترابطها وما هو مقدم ومؤخر فيها عنده حينها).

حين يبتعد الشاعر أو الأديب عمومًا عن هذا الاتجاه ويتحول إلى إنسان يستدر التعبير بالتخيل فقط بلا تجربة سابقة ولا شعور حقيقي فسيدفعه هذا التوجه إلى التخبط في صناعة النص بتناقضات في التراكيب والسياق وكثافة الصور ومدى ترابطها في حكاية ما يدور بذهنه فعليا ، ومع مرور الوقت سيستند على ذاكرته في قراءة نصوص غيره ليحاكيها ويتقمص أفكارها أو تراكيبها اللغوية فيحتذيها مرة ويتقمصها مرة أخرى ، وما أن يسير في ذلك الطريق حتى يتصنّم في نصوصه فلا يستطيع الإضافة إلا من خلال ما قرأه عند الآخرين وأثار إعجابه ليدخل بطور الجمود النهائي أي جعل الصورة الخيالية غاية النص الوحيدة.

هذا النوع من الشعراء أو الأدباء ظهر بكثرة في هذا العصر وأغلبه يمثل تيار المبتدئين ولظاهرته عدة أسباب من أهمها إمكانية قراءة الدواوين بشكل ميسر، وفاعلية حركة الترجمة بنقل المؤلفات الأدبية الغربية للعربية وتداولها من خلال الشبكة العالمية (الإنترنت) مع ضعف التجربة المحلية ، واهتزاز الثقة بالذات والانجراف في عالم السرعة والدعاية وقد تكون صفة البداية في كل اتجاه عمومًا أن يحتذي ويحاكي المبتدئ من سبقوه ثم تنمو شخصيته المستقلة بعد تجاربه الأولى لكن المثير للدهشة أن بعضهم جعل ذلك اتجاهًا مستمرًا في بناء نصوصه واستطاع في ظل تعطيل أو غياب الجمعيات الأدبية الحرة أن يتكسب ويشد الآخرين معه في عالم المتاجرة ، أي المضيّ إلى النصوص التجارية ، فتحوّل الأدب إلى سلعة رخيصة جدًا قابلة لإعادة تدويرها أو تقليدها، فمن الممكن أن يظهر أي تافه ويكتب أي جمل ليصبح أديبًا أو شاعرًا تحت غطاء النثر مثلًا أو من خلال الإغارة على الآخرين .

ما يهمني بهذا المقال هو فهم الصورة الخيالية من أين ولماذا وكيف تشكلت وأثرها في النص، أما موضوع التناص فهو موضوع طويل ، سأهتم بمناقشته بمقالات أخرى .

إذًا ،
كيف تشكلت الصورة الخيالية بذهن الشاعر ، وأقصد به ذلك الذي اعتمد على تجربته الخاصة في صناعتها ولا أقصد بالطبع النوع الأخر الذي اعتاد سهولة ورودها لذهنه مما قرأه وتعمد الاستفادة منه ؟
كيف أثّر هذا الاتجاه الطبيعي بالانطلاق من التجربة والواقعة التي يعيشها في الحفاظ على ترابط النص ، وإيقاعه المتناغم في تسلسل أحداثه وتراكيبه ؟
لماذا اختار هذه الصورة وليست تلك ، ولماذا قدّم هذا الخيال على ذاك ؟ ولماذا فضّل أن تكون الدلالة لهذا المشهد التمثيلي يشير إلى المعنى الذي يريده وليس مشهدًا آخرًا ؟
.
يقول المتنبي :

فَيا لَيتَ ما بَيْني وبَينَ أحِبّتي
مِنَ البُعْدِ ما بَيني وبَينَ المَصائِبِ
،

هذه المصائب التي يتمنى المتنبي بُعدها هي من صنعته .

الشاعر عمومًا في نصوصه ينقل لنا جوانب معقدة من حياته تظهر فيها مركّزة ومشارًا إليها بدلالات الألفاظ والصور والأساليب التي يفضلها بشعره لكن التفاصيل والحقائق الخاصة يطويها الزمان معه.
وللانتكاسات الحياتية والنوائب دور كبير في بناء الشاعرية وتعظيم القريحة حيث أنها تنمّي عواطف الشاعر وتزيده انجذابًا للغرق في ذاته والاستمرار على ذلك.

إن أهم عنصر وركيزة في بناء الشعر ونظمه أن يكون المرء ذا عاطفة ، أي أنه يزيد عن غيره بالشعور بها ، وهذه الزيادة لها مقدار وكيفية..
المقدار قد يكون لأسباب فسيولوجية وراثية و مكتسبة ، أما الكيفية فهي مكتسبة تمامًا ، والكيفية أقصد بها طريقة شعوره بها (ما يثيره وحدّته) وكيفية تحولها لنص مثلًا.
إن للأحزان والنوائب دور في تعلّم المرء الالتقاء بنفسه والاستغراق والانسجام والصعود لمرحلة ما بين الوعي وتحته، وهي أي تلك التجارب لها بصمتها الخاصة في حياته ، لتشكل شخصية نصوصه المختلفة عن شخصية نصوص شاعر آخر.
قبل محاولتنا تفسير النشوء والتشكل للصورة الخيالية، من المهم أولًا الحديث عن حاسة الشعر .
إن الشعور بالكلمة ، بالموسيقى ، شعور يتفاوت في حجمه وتأثيره ، ليس فقط بين الأفراد بل في الفرد ذاته وفق الظرف والزمن والأداء الفسيولوجي ، وذلك الأمر ملحوظ حتى على مستوى الإلهام ، أو القابلية له ، مقارنةً بأوقات لا يميل بها المرء نفسه لكتابة أي شيء ..

مستويان من الشعور بالكلمة (اللغة، الموسيقى) :
1.مستوى الشعور السطحي ، حيث تشير الكلمة لمعانيها وسياقها بالجمل ، دون إثارة أو جمال محسوس
هذا المستوى عليه أغلب الناس ، أو قد يكون وفق ما تمليه عليه طباعهم وعرقهم وظروفهم التاريخية وطبيعة لغتهم إلخ

2.مستوى الشعور المرهف ، حيث تكون الكلمة مدركةً بإيقاعها وجمالها الصوتي وملحوظة في حداثتها أو تناسقها مع السياق وهذا المستوى عليه أغلب الشعراء والناثرين والمتذوقين للشعر خاصة والمهتمين بالأدب ، مع تفاوت نسبي فيما بينهم .
وقد يمر الفرد بالشعورين بشكل متعاقب وفق ظروفه الشخصية وإمكانياته الجسدية وتغيرها.

الجدير بالذكر ،
أن الشعور الأول لن يمنح صاحبه القدرة على تذوق ورؤية الشعر كما ينبغي بل قد يتسبب برداءة الشعر أو كراهيته بعينه
وإذا افترضنا أن أصحابه (لغويون ونقاد وإعلاميون) فإن الشعر بذلك المجتمع سيكون أقل بكثير من مجتمع يسود فيه (الشعور الثاني)…
إذًا
الشعور بكل تفاصيل الكلمة بالنص ، الإيقاع والنغم ،ارتباطاتها بالجملة ، الدلالة العامة والخاصة ، قربها وبعدها منك ، هو الحاسة السابعة “الشعر” ، ومثل هذا الشعور شعورنا بالصور الخيالية ، حين نكوّنها نحن ، أو حين نقرأها .
الصور الخيالية بالأساس احتجاج على انعدام الدقة اللفظية الاصطلاحية في وصف المشاعر وحجمها ودرجتها وتفاوتها ، وهذا الاحتجاج يختلف من شاعر لآخر فلكل منهما نسقه الشعري ، تفضيلاته ، خبراته ، تجاربه ، وإصراره على التفرد ، لتكون الصور ذاتها بين تشبيه وكناية واستعارة ومشاهد تمثيلية وقصصية تحكي لنا شخصية الشاعر بنصه ، بصمته الخاصة ، وبما أنه ينطلق من ذاته ممتثلًا لها فهو يحافظ على كثافة صورية شبه ثابتة تميزه في نصوصه ، وهي أيضًا تنمو معه ، أي مع خوضه في الشعر والحياة.

إن بلوغ النقطة العميقة بأعماق أعماقك لا يتم إلا من خلال التخلي عن الزمن والاستغراق بالذاكرة والاعتماد على اللغة بالذوبان والهيام عبر الإيقاع اللفظي ، فبتكوين الترابط بين الوزن والألفاظ والتصوير والمعنى تكون قد خرجت من الشعور بالزمان والمكان وبنفس الوقت قد استطعت أن تصل لأعمق ما فيك ،
وفي حال دخولك لتلك المرحلة النظمية ستظن القصيدة أو الإلهام من يديرك لكن الحقيقة أن من يديرك هي الأوجاع/التجارب المتراكمة بالأعماق لذا فمن يكتب الشعر يرى أنه بالبداية كان يريد الكتابة عن شيء محدد فإذا به يكتب عن أشياء أخرى إضافية .

إن جغرافية أعماقه قد جمعت بين تلك الأشياء بعلاقاتٍ ما حتى تلك الصور التي تُرمى لعقله الواعي لم تكن عشوائية بل كانت من نفس التضاريس العميقة التي وصل إليها أو مجاورة لها.
لقد جاءت الصور من هناك ، أخذت أهميتها وكيفية ظهورها (التشبيه ، الاستعارة ، الكناية ، التمثيل ، القصصية) وترتيبها في النص من تلك الأعماق ، أي من ذات الشاعر العميقة ، لتخبرنا عنه ، وقد وضعها في مكانها المناسب في النص لأنها جاءت منه ، أي أنه يعرف حجم تأثيرها النفسي ودلالتها ومقدار ما تحتاجه من إدراك عنده وعند المتلقي (الوزن الذهني للنص)

فعلى سبيل المثال حين قراءة النص الشعري نحن نتلقى تراكيب لغوية بألفاظها ودلالاتها وصورها لتقوم أذهاننا بمعالجتها ونتأثر بقدر وعينا وتجربتنا ومرورنا سابقًا بها في الماضي ، فإذا قرأنا تشبيها بالموج ، كان أثر ذلك وفق علاقة الموج بذاكرتنا ، فالشخص الذي عاش بجوار الشاطئ يكون اسرع في معالجة التشبيه وأكبر بتأثره المعنوي به من الشخص الذي لم يره إلا نادرًا أو من خلال الشاشة،
وكذلك فوزن الصور بالنص ومعرفة مداها أيضًا يبرع الشاعر الذي جرب تراكيبها ومرت به في الطبيعة على ذلك الذي اقتنصها من قراءة عابرة وعلقت بذهنه .
هكذا يكون نشوء الصور وتشكلها واختيارها مسألة مهمة في هوية النص ، وشخصية الشاعر بنصه ، وما يمكننا بعد ذلك استنباطه من النص ، وعلى المنهج ذاته تكون بقية عناصر النص غالبًا.

يقول جرير:

أتصحو أم فؤادك غير صاح ،
عشية همّ صحبك بالرواح ؟
،
تقول العاذلات علاك شيبٌ ،
أهذا الشيب يمنعني مراحي؟
،
البيت الأول وهو مطلع القصيدة الشهيرة لجرير أمام الخليفة الأموي ، يشير إلى الانطلاق من الذات في بناء نصه ، إذ أن سؤاله جاء على هيئة مشهد تمثيلي بينه وبين ذاته ، شارحًا في ثناياه هذه المواجهة وقد اختاره بعناية لأنه من خلاله لفَتَ الأنظار باحتمال أن يكون المخاطب هو عبدالملك بن مروان ، ولأنه يدرك هذه الخطورة كان البيت الثاني سريعًا في تثبيت اتجاه النص ومشعلًا لشاعرية البيت الأول بالتحول من احتمالين بالمعنى إلى معنى واحد فقط يخص الشاعر .
هذا التلاعب الذي صنعه جرير ، هو شاعرية الاحتمال ثم اليقين ، وقد يشير ذلك إلى كون جرير معتزًا بذاته ومقدمًا إياها على غيرها ، ولم يكن أسلوب الشعر العربي القديم بالبدء بالغزل المؤسس لذلك فقط ، فصناعة البيت الأول والثاني يشيران إلى جرير الشاعر الذي عاش عمره في الفخر وهجاء الآخرين وبالتالي فإن اختياره لهذا البناء انطلق من شخصيته وتراكم تجاربه أي من ذاته هو لا من غيره ،
وحين وضّح اتجاه النص بالبيت الثاني وتحديدًا بكلمة “يمنعني” فهو بذلك ينطلق أيضًا من اعتزازه وفخره ، فلا شيب سيعجزه أو يمنعه من المضي بالحياة ، وقد جاء اختياره : تقول العاذلات علاك شيب ، من شخصيته وثقافته فهو كما أسلفت الشاعر الذي عاش عمره في الفخر والهجاء ويهمه جدًا ما يقوله الآخرون عنه ، ولهذا السبب اختار جرير هذا التركيب الشعري بالحوار في بيته الثاني ليناسب البيت الأول في مواجهة الذات فمرة منه هو ومرة أخرى ممن حوله.

هذا هو الشعر وهذا هو الشاعر..

عصام مطير البلوي

مقالة بالنقد الأدبي

الرسمة الملحقة بالمقالة للفنان السويسري Robert Zund تـ 1909م ، واسمها Evining

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.