ورقة في التمرد والعبث

3kalam.com13229386721إنَّ القصورَ الذي ستكتشفه الأجيالُ من بعدنا وتحدده وتعرّفهُ وتلومنا عليه بل ستسخرُ ممَّا نحن فيه من عتهٍ وبلاهة هو ذلك الذي خفي أمره لاحتقارنا العبث والتمرد
أو هو ذلك الذي لم يخطر لنا لأننا منساقون في تكرار الماضي أو تقليد ما حولنا من أمم ،
إن البشرية لا تفقه في كل زمان سوى ما يمنحها البقاء ويحقق حاجاتها الفسيولوجية والنفسية وغرائز الغابة ،
وحدهم العابثون المتمردون من يخرجون عن هذا الاستعراض البهلواني الساخر ويفكرون بطريقة توصف بالمرض والحقارة ،
هي فعلاً مرض لأن الانسياق صحة في تصورات العقل البشري
بينما الانعتاق خطوة جريئة لاكتشاف المجهول والمجهول لم يبق كذلك إلا لأن الأنساق الفكرية بهذا العالم
رغم تفاوتها وضعت جدران فولاذية سمحت ببقاء المجهول كما هو بعيداً عن الأذهان
وهذه الجدران حددت مسبقاً ماذا تعني السلوكيات والطرق الصحيحة والمريضة واختلطت بها المفاهيم والمُثُل والمقدس حتى كان من الاحتياط ردعُ أو امتناع المحاولة لكشف المجهول
ولن يندفع نحو هذا سوى المريض المختل الذي دفعه اختلاله أو منهجه العبثي أو تمرده العقلي أو حقده النفسي لاكتشاف المفيد أو التعرف على الضار المجهول.
الأنساق والأطر والعقائد تعمل على تحقيق مسيرة المجتمع الحامل لها في طرقها المعروفة المجربة والمكررة
ولكن الاكتشاف والاختراع إذا حدث إنما يحدث لدى أكثرهم توسعاً وحرية وتسامحاً
ورغم كل شيء فإنها بطيئة ونادرة في كل جيل فالعالم البشري محدود بتضاريس الأرض والزمن وأولويات الحاجة وظروف التاريخ من صراع واقتتال إلخ.
فرصة العالم مع هذا التواصل الكبير الضخم قد يدفع لتسارع في سلسلة الاكتشاف والاختراع ولكنه ليس ذلك التسارع الكبير خاصةً في ظل نزعة الانسان للالتزام بتراثه وهويته وتفاسيره المكررة المجترة
ونزعة التسلط وحروب الهيمنة، وستظل تلك الجدران عظيمةً جداً تصدُّ مجرد محاولة البحث عن خرمٍ أو ثغرٍ يدعو للمرور..

إنّ التمردَ والعبثَ ليسا سوى محاولة خروجٍ وهربٍ من بين دفتي كتاب العالم المملوء بالتكرار الممل ،
وقد لا تلقى هذه المحاولة نجاحاً أو قد تنجح بهلاكِ صنّاعها العباقرة الذين كانوا بلغة البشر معتوهين غريبي الأطوار أو أشراراً منبوذين ..
لقد سئمتُ التكرار بالقَدْرِ الذي يجعلني حالماً لتحطيم المكان والعبث بوجه الدهر وإلقاء كل هذا الماضي الذي أعيشه يومياً خلفي!

انتهى

بقلم: عصام مطير البلوي

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك