كقساوة سيف لا يرحم..

7777ic5إنَّ الإنسان قصيدةُ شعرٍ جسده جُمَلٌ وروحه موسيقى

هذا ما أودُّ قوله لك بهذه الرسالة

فليست الروح سوى ماء القصيدة الجاري وليس الجسد إلا قناةً ومجرى أو أنّه كان ماءَ القصيدة وكانت هي هما
هل ثمّة قصيدة شعرٍ تكونُ قصيدةَ شعرٍ بلا حرفٍ مسكوب ؟ بلا تناغم وتجانس وتقاسم لمشتركات المعنى المعبر عن وحدتها ومقصدها بموسيقى تُحييها؟
هل كان للماء تعبير يخصّه لولا آلاف الاشياء التي تحمل تعابير تخصّها ؟هل التعريف عن ذاتك هو ذاته التعريف عن ذات غيرك ؟

هل التعريف عن الذات كتابةُ قلمٍ فَقدَ صاحبَه منذ عقودٍ أو قرون أم أن السلوك هو التعريف عن الذات؟
هل السلوك كسلوك يحمل ذات المقدار والمكان والزمان والفصول والظروف لسلوك آخر هو المعبّر عن هذا الإنسان و ذاك ؟
هل بالفعل يكون تعريف الإنسان بسلوكه ؟ وهل سلوكياته هذه من الممكن الاطلاع عليها وتمحيصها بدقة شديدة جداً ؟
هل قياس السلوك مرتبط بعناصره المرئية والملحوظة دون الأخذ بعناصر نفسية كالرغبة والرهبة؟ هل من الممكن إثباتها والتأكد من صحتها؟

هل يمكننا حقاً أن نتأكد من صحتها؟ ..
هل الإنسان محكوم عليه بأن يكون في متاهته هذه مشاركاً في جرم خفاء حقيقة وجوده أي حقيقة حاجته؟

لقد كانت الجزيئات الصغيرة أساساً لكل مركّب يُشار إليه بل إنّ كل صغير يشير إلى كبير وكل كبير يشير إلى صغير فهؤلاء وهؤلاء يدل بعضهم على بعضهم
إن الحروف باللغة نسجت الألفاظ وكانت الألفاظ بتوزيع مناسب -ومجرى يكشف عن نغم الموسيقى- أساسَ بيت الشعر
أي أن الإنسان كقصيدة كان تنظيماً عبقرياً لألفاظٍ صيغت فكشفت عن موسيقاها ، أي كشفت عن روحه ..عن حياته
ليس هناك ذات واحدة يشار إليها حين الحديث عن الإنسان بل هناك خطوط عريضة كوّنت بالتقائها وجوداً يباين الوجود القائم ولكنه يعكس صوره ومعانيه
إنه يعكس سلوكياته بجموده وخموده وحراكه واضطرابه ليثبت عظمته بمضاهاة ما حوله بل وقدرته على التفوق عليه

وما كان هذا لولا أنه يريد أن يقنع نفسه أو محيطه المعكوس في كينونته أنه يمتلك حق وجوده في عالم ينكره ويستغربه..
في عالم يحاربه محاربةالند للند.

وما الحياة سوى الجسر والعبور معاً
إن العبور ممارسة الجسر وإنَّ الجسر ممارسة العبور وليس بين ذات الجسر وذات العبور من خلاف أو اختلاف إنما تخدعنا عقولنا لأنها تبحث فقط عما يمجدها
لقد ارتكب العقل أمجاده في صناعة الزمن وتباهى بإدراكه الساذج أمام صفحة الوجود المزيف المخادع
إنه لا زمن إلا في أكاذيب العجز وأوهامه
إنه لا زمن للحجر ولا يحتاجه وتلك العصافير لا يهمّها كم كان عمر هذه الشجرة ، إنه لا يهمّها ولن يهمّها .
وحده من يبحث عن أمجادٍ يسطرها متباهياً بتميزه هو من يهتم بما يسمونه زمناً ، هو من ينسج الكذب الصادق والصدق الكاذب
إنهم يأتون ويذهبون ليس لأن الزمن أراد ذلك أو كان مشاركاً في الذهاب والمجيء بل إن الذهاب والمجيء لا يعرفانه ولا يعترفان به
إنهم يأتون ويذهبون تلاطم أمواجٍ لا تعرف ما ذنبها بقمرٍ يغيب ويعود وشمسٍ تأكل وتستفرغ، إنهم يأتون ويذهبون هكذا..هكذا فقط
إن عينيك الحسناوتين الآن هما عيناك الحسناوتان قبل ألف سنة وبعد ألف سنة ، هما هما وليس ثمة زمن ، هما هما وليس ثمة شيء
أليس أن تكترث يعني أن تتعرف على عجزك ؟!..
نحن نكترث لنعرف عجزنا لا لنعرف ما نستطيع فعله..
إنَّ ما نستطيع فعله بمنتهى السهولة لا نعيه !
وأينما كان العجز نما العقل وأثبت وجوده
هل نعي زمن أحلامنا ؟ هل يوجد كائن على هذا الكوكب يستطيع أن يعي زمن أحلامه ؟ إن العقل لأعظم صدوقٍ كذوب، ولا يفضح سره سوى شخير أنوفنا
إن الابن البار ليشهدنَّ زوراً ويقول عظيماً لينقذ أمّه من حبل المشنقة وإن العقل ليفعلنَّ ذلك إذ نتحدث عن عدمية الدهر

وأمّا عن الرغبات
فإنَّ المرء لا يودُّ من تحقيق رغباته سوى ولادةِ رغباتٍ أخرى يحققُ فيها مأساة عجزه عن تحقيقها ، ما الإنسان إلا كائنٌ يستلذُّ بطعم أحزانه
حينما تطمع بشيءٍ فإنك لا تريد الاستحواذ عليه إنّما تسعى لتذوّق المأساة في عجزك عنه وأما فرحك بنيله هو فرحك بمولد رغباتٍ بعده تأمل ألا تتحقق
إنَّ الإنسانَ كائنُ المأساة لا كائن السعادة ، كائن الحزن لا كائن الفرح ، كائنٌ جاء يبحث عن مأساته وخرج يحمل الكثير الكثير منها
ليس سؤالاً هذا أيّهما سبق الآخر أو أيهما سبق أو صنع الآخر العقل أم اللغة فلقد سبقت أو صنعت الحاجة للمأساة كليهما بنفَسٍ واحد.
المتألمون المتألمون عقلاء عقلاء ومتكلمون متكلمون !
ولقد بعثَ الألمُ جموحَ البحر من حيث يدري ولا يدري .
وقد كان الحزن خلّاقاً ومايزال.
وإنَّ قدراً لا يحزنك يثبطك ويقضي عليك بل ويدفنك في حياةٍ لا معنى لها ولا وجود ، إن الوجود أن تشعر وشعورك رهين آلامك فهي وحدها التي لا تبور
أليس سرعان ما تزول منك أشياؤك الجميلة أو ما تظنّ أنها جميلة أو ما يخيّل إليك أنها جميلة وتظل أسراب الحزن ترفرف على معصميك وتذرفها من مقلتيك
هل زالت هذه الاشياء الجميلة أو ما تظنّ أنها جميلةٌ أو ما يخيّل إليك أنها جميلةٌ لمجرّدِ أنّ الأقدار أرادت ذلك أو أنَّها هي هي من أرادت ذلك؟
إننا لو افترضنا أنّ ثمة حقيقة للجمال وأنك تملك قدرة نجومٍ لا يتأبطها الأفول لاندفعت كقساوة سيفٍ لا يرحم لتقطعها إرباً إرباً بحثاً عن مأساتك

انتهى

بقلم: عصام مطير البلوي

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك