المنابر والعجز المقدس..

يبحث العاجز التعيس عن قبح القدرة والإنجاز بدلاً من أن يدفعاه لإعادة النظر في مكوناته وأجزاءه وأركانه وأسسه..
ولو نظرنا لردة الفعل هذه لهذا العاجز التعيس لوجدنا أنها جزءٌ من منهجٍ اكتسبه من محيطه فالحياة ممارسةٌ ممنهجةٌ ومكتسبةٌ بأغلب أجزائها..
إنّ الإنسان آلة استقبال وردود فعله منذ أن ولد محاكاةٌ وتقليدٌ وانصياعٌ وإذعانٌ على قدر عجزه ونقصه وضعفه وكلما قلد وحاكى اكتسب ونما
فعليه أولاً أن يستقبل لينمو ..أن يقلد ليتواصل ..أن يردد ليفهم ..أن يكرر ليعقل..فهو يستقبل ويقلد ويردد ويكرر بنفس الوقت أو بأوقات متفاوتة
وفي استقباله وتقليده وترديده وتكراره تجاربٌ يحتفظ بها لتنمو معه فما أن يقوى تقوى تلك التجارب التي تزداد حاجتها لمزيد مما سبق ولكن بشكل أعمق
فإذا ما كان الحديث عن العقل فإن العقل ليس سوى أداة تحقيقٍ لمكتسبات وجب الحفاظ عليها وتغذيتها بمزيدٍ منها فطرق ومباديء العقل هذا مكتسبة أيضاً

إن الانسان بقدر ما يتمكن من تحقيق مكتسبات محيطه بقدر ما يتخلى عن الحياة ليقف ضدها ظناً منه أنه حقق ما يرجو ويبرر عقله المكتسب سلوكه هذا..
ومن يعيشوا في البيئة العاجزة التعيسة التي يكون التراث أعظم مكتسب تقدمه لهم يصبحوا عاجزين تعساء اذا تفوق عليهم غيرهم من بيئة مختلفة تماماً عن بيئتهم تلك
فيبدأوا بتحقير الحياة حين يرون غيرهم يقودون العالم بها ،
وتهميش أهمية النجاح في مجالات يفشلون بها،
وتقبيح الإنجاز ولذته ليشعروا بالرضا والراحة
ويطالبوا بالانغلاق ليحموا ذواتهم من ألم الخزي والعار،ويرفعوا كل الشعارات لتمجيد تاريخهم كي يخففوا على أنفسهم مما هم فيه من ذل وهوان..
ويتكلموا ويصرخوا ويبكوا ويعلنوا كل حماساتهم الثائرة وأحقادهم المقدسة على كل مافي هذا العالم عبر منبرٍ أنتجه لهم غيرهم !

إن فلسفة المجتمع -أي مجتمع- هي ما تقوده للأمام أو ترجعه للخلف ..الفكر السائد وخاصة حزمة الركائز العميقة هي ما تحدد إلى أي مدى يكون هذا المجتمع
قادراً على المضي في مجالات الحياة ..فالتقدم التقني ليس وليد علومٍ جائت هكذا كما هي دون بيئةٍ توفر حرية ظهورها وتشجع الإبداع وتتبناه
وقس على هذا المثال بقية أمثلة الحضارة ..
لا تعتقد للحظة أن التأخر التقني والاقتصادي والسياسي والإجتماعي وليد أفراد بعينهم إنما هو وليد فكرٍ متأخر سائد في أي مجتمع يوصف بالتأخر ..
أي نعم لكل فكر رموزه وداعميه وهم زمرة المنتفعين منه ولكن لا يعني هذا أنهم فقط مسؤولين ومتى ما أزلناهم زال فكرهم..انما نهدم فكرهم ليزولوا !
يعتقد بعض تلاميذ المنابر أن ابتعاد الناس عن التراث الذي يقدسونه هو سبب هوانهم والحقيقة أن تمسكهم بأسوأ ما في التراث هو السبب الرئيسي لهوانهم
إن أسوأ ما بالتراث الأحادية وإلزام مفهوم الحق لمعايير القوة والغلبة ومحاربة حرية الفرد في معتقده وسلوكه وتقديس ذوات البشر المهيمنة باسم الدين أو السلطة
ولقد سقطت الحضارة الاسلامية منذ ان حوربت التعددية بها بعد فترة ازدهار بسبب انفتاح الخلافة للحريات وتقبلها للحرية والتعددية الفكرية لتيارات مختلفة
وما أن سادت الأحادية وهيمنت حتى تدمرت تلك الحضارة الناشئة وتوقفت عن النمو المفترض فسبقتها أمم أخرى نحو بناء حضارة عظيمة كالتي نعيشها الان
إن البكاء على الماضي من قبل المنبر هو بكاء الأحمق  أو تباكي المحتال الذي يستثمر دموعه من أجل بقاء مصدر دخله..
أتبكى على ضحايا الحرائق وأنت مازلت ترمي الحطب لنيرانها؟ ..أتبكي أم تتباكى؟

إن الإستماع إلى كل ذي سلطةٍ يجعل فؤادك حذاءاً لا يفقه إلا لغة الأقدام

ليكون الخضوع والإنصياع أعظم ومعظم ما تقدمه طيلة أيامك وإنهم لن يهمهم كثيراً إذا ما كانوا منغمسين بملذاتهم مآلات المجتمع الذي تعيشه وتعاني فيه ..
وأما ما يحدث من رفع لشعارات وشد وجذب وصراع بين رموز المجتمع العاجز التعيس الذي تعيشه فهو صراع مادي دنيوي قبل أي اعتبارات أخرى
فاذا كانت الرموز تبيع وتشتري بالقيم والمباديء باسم نشرها والحفاظ عليها فإنه من المؤكد أن تطغى وتفتري ضد كل منافسٍ لها من أي اتجاه..
فهولاء مستمتعون بلذة سلطتهم الاجتماعية فهم قادرون على أن يأمروا فيستجاب لهم ويبكوا فيبكي الناس معهم ويسرقوا فيبرر الاتباع لهم
وهم بهذا يستعرضون فيما بينهم أيهم أكثر اتباعاً وتأثيراً وكلما زادت شهرة المرء فيهم زادت دناءته ومتاجرته بكل ما يردده على منبره من فضائل
ولقد بلغ بهولاء الطيبين السيئين ،الصادقين الكاذبين،المؤمنين الجاحدين أن يتاجروا بقراءتهم الكتاب ليجمعوا به ما يجمعوا من حطام الدنيا
وليس هذا فحسب بل إنك لا تجد صغيرة ولا كبيرة إلا وانهال عليها هولاء التقاة الفسقة ليجعلوها سلعةً يتاجرون بها في هذا السوق الكبير ..

إن حرص رموز الجماعات على الأتباع لا يضاهيه حرص بهذا العالم وإنهم ليتفوقون بها في كثيرٍ من الأحيان على حرص فرعون وكسرى وقيصر على عروشهم
فالأتباع الذين يبررون لسيدهم أن يسرق فيكون شريفاً وأن يقتل فيكون مجاهداً وأن يظلم فيكون عادلاً وأن يزني فيكون عفيفاً ثروةٌ ليس لها نظير
ثروةٌ تستحق كل الحيل والخداع والمكر والغش والنفاق والزور والبهتان والدناءة للوصول إليها والإستيلاء عليها
ثروةٌ تستحق أن يحارب ويكفر بعضهم بعضاً ويتشنج كل طرف ٍ لرأي ومقولةٍ ليبقى دائماً مسيطراً على هذه الثروة التي تستحق كل طرق الشيطنة والإغواء
إن الدفاع عن المذهب والطريقة والفرقة والجماعة بكل السباب والذم والصراخ والحجج والأدلة والعلامات ليس دفاعاً عن الحق إنما للمحافظة على هذه الثروة
إن رفضهم للحرية في المعتقد والرأي والاختيار ومحاربتها وإيذاء صاحبها وظلمه واضطهاده والنيل منه بكل الطرق والاساليب هو أكبر دليل على ذلك
إن الحرية يرونها حكراً لهم حيث اختاروا وفعلوا ومارسوا كل ما يلبي قدراتهم وعليهم المحافظة على الحرية باحتكارها ومنع الاخرين منها
وحينما يفعلون كل ذلك التشويه للحرية في أعين الاتباع أو الذين يطمعون أن يكونوا من أتباعهم إنما ليضمنوا عدم التمرد واستمرارية الثروة تنتج هكذا
ويلجأ رموز هذه الجماعات والمذاهب والفرق إلى الإنغلاق فلا تجد جماعة ينتشر فيها الغش والاحتيال واللصوصية إلا وتجدها تطلب الإنغلاق
إنك لن تجد جماعة أو مذهباً أو طريقةً يقودها رموز من اللصوص الا وتجدها أو تجده يدعو للانغلاق وكراهية العالم ومحاربته وإظهاره كعدو دائم
فالتواصل مع الأسواق العالمية  يدمر السوق المحلي ولطالما كان السوق المحلي سيئاً بكل شيء !

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك