أعظم من اختلاف بصمات الأصابع

إن تصديق الانسان وتكذيبه يعتمد على مدى حاجته لذلك التصديق أو ذلك التكذيب وليس على مدى قوة أو ضعف الحجة
متى نحكم على الشيء أنه صواب أو خطأ ؟

قبح أو جمال؟

وهل حكْمنا عليه وليد تجربته ؟

هل نحن بالفعل نحكم على كل ما ندس أنوفنا فيه حينما نجربه فقط؟
أليس هذا الكائن الهزيل الضئيل يفتي بكل شيء ويمارس كل أكاذيبه ليمجد عبقريته وذكاءه وحكمته وتجاربه وأخلاقه وسلوكياته وتاريخه وحياته؟
ألا يبحث عن خلاصه من قبح الطين في ثنايا تلك الاحكام المطلقة المقدسة المعظمة التي يتناول بها كل شيء ويناقش فيها أي شيء ليثبت أنه أعظم الاشياء
هل جرب أحد هولاء المتحدثين المتكلمين المعظمين المقدسين المهيمنين أن يكون أخرساً أصماً مهاناً حقيراً ضعيفاً؟
هل سبق لأحدهم أن تنازل عما سبق لما لحق من أوصاف ؟
 فاذا حدث ذلك فكيف ستكون المذاقات والتصورات والخيالات والممارسات والسلوكيات والأحكام؟
هل سيكون حكمه على الشيء الذي رآه كفراً بواحاً وجرماً محرماً في الأوصاف الأولى هو ذات الحكم في الأوصاف الأخرى؟
ما الذي جعله أو جعلهم جميعاً يغيرون آرائهم وافكارهم وتصوراتهم وتخيلاتهم وأحكامهم؟
هل هي التجربة فقط ؟ أيعقل أنهم جربوا كل شيء ؟
إن الانسان إذ يحكم على شيء إنما يبحث عن ذاته فيه ، عن مصلحته و ذكرياته وآلامه وأحزانه وهزيمته وأفراحه وسعادته وانتصاره فيه
إنه إذ يقدر أي مسألة ويضع لها تحليلاً ، وتفسيراً ، وإجابةً قصيرة أو طويلةً كطول هذا الدهر إنما يضع ذاته بكل مافيها من ملذات وآلام منذ أن كان
وإلى اللحظة التي يعلن فيها عن أهميته وعبقريته وذكاءه وانسانيته بذلك التحليل أو التفسير أو الاجابة أو كل تلك المحاولات التي يعتز بها كثيراً
إنه إذ يضع حكماً لشيء لم يجربه

إنما يعلن عن عظمته التي يحقر فيها كل من حوله ، إن مثل هذه الاجابات ليست سوى احتقار للآخر، هي كل الاحتقار
إن الذين يرفعون الرايات ويتحدثون على المنابر ليل نهار في كل شاردة وواردة وكأنهم جاؤوا لينقذوا هذا العالم إنما يفعلون ذلك ليحقرونا ويصغرونا
إنهم يحتقرون حياتنا وتاريخنا وتجاربنا وسلوكياتنا وخيالاتنا وتصوراتنا وأحكامنا عبر إرشاداتهم وإجاباتهم ونصائحهم وأحكامهم وأوامرهم ونواهيهم

كيف لمن لم يجرب الشيء أن يعطي حكماً قطعياً فيه وهو لم يجربه ولم يعانيه ولم يمارسه ولم يعرفه ولم ولن يعانق نتيجة حكمه القطعي هذا؟
إن الحكم الذي يصرفه هذا أو ذاك لهو أولى بتطبيقه من غيره فهو امتدادٌ مباشر أو غير مباشرٍ له إنْ كان بالفعل جاء من تجربةٍ فما بالكم بمن لم يجرب!
ان الحاجة التي جائت على هيئة ما نحب ونكره من ملذات وآلام هي الدافع الرئيسي لكل هذه التصورات والخيالات والاحكام والممارسات والسلوكيات
ولكل انسان قالب يعيش فيه يشكّل وينوّع هيئة الحاجة بمقادير متفاوتة من الرغبات والنزعات والغرائز ولا تجد انساناً الا ويختلف عن الاخر بها
فأنّى تكون الاحكام واحدة وينبغي على الجميع الالتزام بها وفق ما يريده الزعيم والداعية والواعظ والثائر والرئيس وكل ذي سلطة على هذا الكوكب؟
من هذا الزعيم أو الداعية أو الواعظ أو الثائر أو الرئيس الذي ينبغي أن ننصاع لأحكامه وهو مثلي ومثلك ومثله ومثلها لم يجرب كل شيء ؟
بالإضافة إلى أن الحاجة كما أسلفت مختلفة بين كل الأفراد باختلاف أعظم من اختلاف بصمات الاصابع ؟
إن الفوضى التي يسبونها ويذمونها ويلعنونها ويجعلونها أقل شأنا من الذبابة أفضل من كل سلطة بهذا العالم..
إن هذه البشرية التي مازالت تئن من ويلات شعورها بأنها أعظم الأشياء وهي لا تساوي جناح بعوضة مصيرها للفناء قبل أن تدمر هذا العالم برمته..

2 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.