التغيير ينبغي أن يكون من الأعماق..

إن أي حراك في مجتمعاتنا إنما مجاراة رديئة لشعاره ومعناه ومسماه ورسمه ليس أكثر فالتغيرات بأغصان الشجرة ليست سوى زيادة او نقص بأوراقها أو بتفرعاتها فقط
ولا يمكن لغصنٍ أن يغير هويته وإن رفع شعاراً لذلك وكذلك الشجرة ذاتها بكل مافيها وليس لها إلا أن تستمر هكذا
والمجتمعات الغارقة بوقاحتها وسخفها وكذبها ودجلها ستظل ممارسة لكل تلك السلوكيات وإن رفعت شعارات مناقضة لما سبق..
فهي إذ تعلن صدقها وحكمتها ووعيها وعدلها إنما تمارس حربها على تلك القيم بمزيد من التشويه لأنها من الجذور فاقدةٌ لها
والعاجزُ يعشق أن يرى وهمَ ما لا يستطيعه ويعيشُ فيه ويختلقه حتى يستطيع أن يعيش ليكون الوهم أغلب أجزاء الحقيقة والواقع..

إن المجتمعات المنكوبة الذابلة لا يمكنها إدراك أنها ذابلةٌ ومنكوبةٌ أو أنها تدرك ذلك ولكنها تعوض شعورها بالنقص بمزيدٍ من الذبول والنكبات وإن الوهم في مجتمعات كهذه هو أغلب أجزاء الحقيقة والواقع..
فهي إذ ترفع الشعارات التي من الاستحالة أن تقع وتطبق إنما تفعل ذلك لتمارس ذبولها وتبرز هويتها بشكل يفتخر فيه أفراد تلك المجتمعات بها
هو فخر العاجز بوهمه..وإنه ليعشق أن يرى وهمَ ما لا يستطيعه كي يهيم فيه ويحيا ويقيه ذلك من الشعور بالنقص

وإن للأوهام مذاقٌ لذيذٌ جداً عند كل عاجز بهذا الوجود يجعله على الأقل قادر على البقاء ، فيالهُ من وهمٍ محفز للبقاء..
والبقاء تعبيرٌ عن الحياة وفق ما ولد عليه هذا المجتمع أو ذاك بقدراتٍ لا تتجاوز قدرات تلك الاغصان وتغيراتها ..

فالمجتمعات التي تعاني من الإستبداد حينما تعلن عليه الحرب إنما تريد صياغته بطريقة أخرى وتمارسه باسلوب يتوافق مع حرصها عليه وليست هذه الحرب والتضحيات سوى محاولة منه ليظهر بصيغةٍ تجعل المجتمع يفخر بوهمه..وهم تحقيق القضاء عليه به

والمجتمعات التي تعاني من الإحتكار لا يمكنها تجاوز مفهومه إلا بمزيدٍ منه أي أنها ستحتكر حق الوهم لأفرادها فتمارس حربها على الإحتكار بإحتكار الوهم ذاته وهذه المجتمعات هي أقبح وأسوأ المجتمعات وأكثرها انحطاطاً وخسةً ورداءة..

والمجتمعات التي تعاني من كبت الحرية ستستخدم الحرية في لعن الحرية ذاتها حتى يصل أفرادها لمرحلة يرون فيها الحرية استعباد والاستعباد حرية..

وأي مجتمعٍ لم يكن هكذا صدفةً إنما المجتمعات أشجارٌ لا يمكنها تغيير هويتها فما بها وما منها من حراك وسلوك إنما جذوره تضرب بالأعماق وأرضها خصبة لمزيد من البذور التي تلدها تلك الاشجار ذاتها،
وإذا ما تحدثنا عن تغيير حقيقي فإننا علينا أن نتحدث عن بذور جاءت من مجتمعاتٍ متقدمةٍ شائت ظروف الحياة أن تتيح لها نموها وبقدر ما يكون التواصل بقدر ما يكون التغيير وإنه أيضاً بحجم ذلك التواصل  يكون سرعة التغيير ولن يكون التغيير بلا مقاومة ضده

تلبس كل ألوان الماضي ويخدمها كل أطياف الإنتهازية والخديعة

إن مسألة التغيير كبيرة جداً ومن الصعب حدوثها فجأة أو حتى خلال عقود فهي تحتاج إلى تضحيات جسيمة جداً يلازمها فلسفة وتفاسير تحافظ على استمرارها ولا يوجد دافع للتغيير إلا الحاجة ذاتها ، أي الحاجة للتغيير وإدراك الحاجة هذه يحتاج إلى معاناةٍ جسيمة

من الواقع وفهم عميق لمظاهر المجتمع الفاسدة التي يعاني منها أفراد المجتمع ولا يوجد فساد إلا وله مؤيدوه وهم كثر عادةً..

إن مؤيدي الفساد ليسوا فقط أولئك الذين يستثمروه ويستغلوه إنما أيضاً أولئك الذين يحملون جزيئات صغيرة يحملونها في أفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم ويصرون على بقائها ويحتفظون بها بل يرعونها بأعينهم لتكون دائماً جزءاً منهم وهم جزءٌ منها..

والفساد لا يتشكل كله من أجزاء فاسدة فقد يكون من بين أجزاءه أجزاء صالحة ولكنها وضعت بموضعٍ يخدم مركّب الفساد ليظهر بمظهر يمثل البناء بزاوية والخراب بزاوية أخرى ويكون تفكيكه صعبٌ جداً حيث تلتزم كل الأجزاء المتداخلة فيما بينها ببقاء المركب

عبر روابط قوية جداً لا يدمرها إلا انهيار كامل للمركب كله ..
والحديث عن المجتمع ليس كالحديث عن المعادن النفيسة وما يشوبها فإن حجم الضرر حين التنقية وتحقيق الحاجة حين ادراكها تماماً ومعرفة متطلباتها سيكون كبيراً عظيماً فليس الا التدرج البطيء والمسيرة البطيئة يمل أصحابها منها ويصطدموا بتنوع احتياجاتهم

ورغباتهم التي لا تنفك عن عناصر الفساد حتى حين التخلص من العناصر السيئة جداً..

لا يوجد مجتمع الا وبه فساد ولكن الفارق بين أي مجتمع ومجتمع هو مدى ما يؤدي الفساد الذي به إلى منع تلبية معظم احتياجات أفراده والكثرة دائماً تعني الاستحقاق حتى لو كانت كثرة جاهلة متخلفة تُرجع المجتمع للوراء مقارنة ببقية المجتمعات

إذن التغيير ينبغي أن يكون من الأعماق ليظهر بمظهر المصارع القوي ضد الوضع الذي يضر بالأغلبية في هذا المجتمع أو ذاك
وإنك لن تجد تغييراً كبيراً حدث لمجتمع إلا وتجد أفراده ابتداءاً قد تنازلوا وتخلوا عن بعض أو أغلب الجزيئات التي كانت بمجموعها ركناً أساسياً للهوان والذل الذي يعيشوه ويعيشه كل المجتمع..
وتنازلٌ كهذا لن يكون الا بفكرٍ جديد جاء تلبيةً للحاجة التي بدأ يدركها أفراد هذا المجتمع  وارتضوه ليكون منهجاً حياتياً لهم يخلصهم مما هم فيه من معاناة والاصطدام حينئذٍ سيكون مكلفاً إذا كان الفكر المناهض للتغيير ميالٌ للعنف والجبر أو إذا كان الفكر الذي

ارتضوه يحمل العنف والجبر وكان رديئاً انخدع به هولاء الأفراد..

وكما أسلفت فإن الفكر له بذوره التي تحتاج من يرويها ويرعاها حتى تنمو وتكبر ولن يكون هنالك رعاية كرعاية الحاجة ذاتها ..

علينا إدراك حاجاتنا وكيفية تحقيقها بطريقة صحيحة وعقلانية وعادلة
 لتقودنا الكيفية هذه نحو تقدم ملموس حقيقي وإن الفرد ليسأل من حوله عن خصوصياتهم ليطمئن على وضعه و سلامه فنزعة القياس والمقارنة متأصلة لدى الانسان فهو يقارن ويقيس حاله على من حوله وكذلك المجتمعات تقوم بمقارنة وقياس ما بها على من حولها

والتواصل يغذي هذه النزعة الأصيلة..

إن الإستبداد والإستعباد والإحتكار لهم جزيئات وبذور في أعماقنا وإن أي فكر يقود للتغيير نحو تلبية الاحتياجات للأفراد إذا كان فكراً يغذي تلك الخطايا فإنه فكر يقود لتغيير صيغة قديمة إلى صيغة جديدة قادرة على الاستمرار  ليس أكثر ولن يكون مصير أولئك

الذين يغيرون بضع مظاهر للفساد إلا مصير من يصنعون الويلات مرة أخرى مهما كان حجم الدعاية والاعلانات والتسويق لهم فسيحتفل بهم الناس بداية ثم يلعنونهم في بدء مراحل أخرى من اجترار الاستبداد والاستعباد والاحتكار..

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك