حديث الوجود: وما العالم الا حركة مستمرة

كنتُ أسيرُ على راحلتي في صحراء النفود ومررتُ بديار أم عكرمة

وهي أختي من الرضاعة ومن نساء الأمة القلائل باهتمامها الفريد بفلسفة الوجود
 ولها في هذا باع طويل وحينما رأتني وهي ترعى أغنامها أشارت إلي وما أن جئتها رأيت شحوباً في وجهها
فعلمت أن زوجها قد تزوج عليها وإنه لظالم إذ فعل ذلك حيث شاورني بالامر قبل مدة  وأخبرني

أنه قد تعلق بامرأة يود أن يتزوجها ويحاول اقناعها حيث ادعى المعتوه أنه يحبها وحذرته من ان يفعل ويخسر الإمامة الزعيمة أم عكرمة

  فقلت لها  :

أعطيتِهِ عبقَ الحياةِ فأينعت
..بالحبِّ أيامٌ له وديارُ

وأزحتِ أهوال الطريقِ بسالةً
..لتزفهُ الأصدافُ والأشجارُ

وكسَوتهِ ثوباً كحطين التي…
جائت بها الأنصارُ والأخيارُ

فرماكِ إذ ظنّ الجنانَ غنيمةً
…لم تأتِ إلا لأنهُ المغوارُ

ومضى لغيركِ عاشقاً متزلفاً
..يرجو الوصالَ وليلهُ الأنوارُ

فقالت لي :
يا إمام لقد طلقته فمثل هذا لا يستحق امرأة زعيمة مثلي ..

فقلت : والله ان شسع نعلك يساوي هذا الطين المتمرد

ثم قلت: يا ام عكرمة إني لأعلم أنك أحببته فأسمعيني ولو خمسا من الابيات فاني لا اراك الا شاعرة

فقالت : قلتُ فيه

أدميتني وغرستَ حزنكَ أسيفاً
…تجترّها الحركاتُ والسكناتُ

ياليتني قبل اللقاء بوهلةٍ
…صدقتُ ما نطقتْ بهِ الصفَحَاتُ

و نُصِحتُ عنكَ من النجومِ جميعها
…وتوافدتْ رسلٌ إليّ ثقاتُ

لكنّ إقدام الفؤادِ يؤزهُ
…نحو المخاطرِ أعينٌ وشفاةُ

لهفي عليكَ وإنْ ظلمتَ بخنجرٍ
…لهفُ القتيلِ بأن تعود حياةُ

فبكت وبكيت ..

ثم قلت :
هوني عليك فإن الحياة تعلق وما أن تتجاوزي تعلقاً الا ويأتي غيره فلا تتوقفي فالتوقف موت وسكون والحياة حركة بل أن الوجود حركة مستمرة
فقالت : تجاوزته بالأغنام فضحكت وضحكت

ثم قالت: يا إمام ما هذا المسمى انسان؟
فقلت :
إن الإنسان امتداد متقدم للحاجة ولكنه ليس كل الحاجة أي أنه ليس كل الوجود وهو أقل من أن يكون هذا الوجود لأجله فلم يكن الجزء يوماً عين الكل..
وامتداد متقدم أي أنه قادر على تمثيل الحاجة بمختلف صورها ولا يعني أنه زائدٌ عليها أو مضيفٌ لها بل إنه أحقر الكائنات بجوانب عديدة
عَظَمته أو ما يتصور أنها عَظَمة قد تكون حقارة كبرى أو كل الحقارة ، وحقارة غيره أو ما يتصور أنها حقارة قد تكون عَظَمة كبرى أو كل العظَمة
المقاييس والتعاريف للخطأ والصواب والمثوبة والعقوبة والتعظيم والتحقير لأي شيء عند هذا الكائن متأثرة بمدى حاجته له بماضيه وواقعه ومستقبله
إن ما يتصوره وليد تراكم احتياجاته وقدراته ليست الا محاولته المستمرة لتلبيتها فطبيعة الوجود تتيح لأي جزء منها أن يتمدد ويتقلص ويطول ويقصر
وهذ التقلص والتمدد والطول والقصر انما وفق تقلص وتمدد وقصر وطول لمحيطه وواقع الوجود -الحاجة- أن تكون منسجمة ومرنه دون اصطدام يعطل مبدأ الحركة
والحركة ذاتها هي امتثال للحاجة فالسكون موت وفناء والانسان اذ يحاول التوقف إنما يسعى للموت والفناء ..
هذا الكائن هو سبب الخراب الذي يحل بالعالم لانه الكائن الوحيد الذي بدأ يلعب بمحيطه بشقاوته وتكبره وتعجرفه ونزواته ورغباته وطموحاته وهذيانه
إنه إهانةٌ أكثر من كونه تكريم ، وموت أكثر من كونه حياة ، وخراب أكثر من كونه إعمار ، ولعنة أكثر من كونه رحمة ، وما حوله يشهد على هذا

فقالت وهي المرأة الحافظة العاقلة التي يفوق عقلها عقل ألف ألف رجل أو يزيد :
صدقت وإن خرابه ولعنته وإهانته يلبسها بلباس الفتوى والراي

فقلت : يا أم عكرمة
إنه لا اعتراض على الرأي كونه رأي أو الفتوى كونها فتوى إلا إذا كانا يتجاوزان الحرية الفردية ليكونا إلزاماً وجبراً ..
قوة الراي بحجته ومنفعته تتهاوى أمام صيغة الجبر والفرض فلو كان هنالك أشهى المأكولات وأُمرت بصيغة اجبارية عليها لانتفض بداخلك ما يرفض الاهانة
إنما الانسان شريك بالحياة غير مجبرٍ عليها ولو أنه شعر بأن كل ماحوله جبر في جبر فإنه لن يتوانى عن قتل نفسه ، الانتحار نتيجة ذلك الشعور..
إن الحاجة ليست واحدة من حيث التمثل والصيغ والتواجد وليست ثابتة على شكل واحد أو متوقفة ولا يمكن أن تكون الحياة ساكنة لا حركة فيها ،
 الحرية حركةٌ والجبر اصطدام مع الحاجة المتمثلة وارغام لها بالتوقف وليس هذا الا دعوة لها بالسكون والموت
 هذا العالم ليس الا حركة لا يوجد شيء ساكن فيه ولا يمكن ان يكون هنالك سكون بمعنى عدم الحركة انما ما نتصوره ثابت ليس الا وهم ، وهم العاجز..
 فالنباتات والحيوانات والجمادات والسوائل والهواء وكل ماهو منها وإليها يتحرك ، إن هذاالعالم يتحرك بكل جزء منه وفيه..
 إن الحجر الذي تراه على قارعة الطريق ليس ساكناً بل متحرك انه يتحرك ولكن حركة لا تلحظها كحركة النبات في نموه ، إن النمو حركة..
 إن البيت الذي تسكنه والعش الذي يسكنه العصفور يتحركان ، إن الاجرام والكواكب والنجوم والشهب تتحرك ..
ليس عجزك عن رؤية الذرات ينفي وجودها وحركتها وما بها وما منها ، إن العجز ليس دليل على حق ، إن السكون باطل كبطلان نفي الحركة بل كبطلان منعها..
 الوجود حاجة لا تتوقف عن الحركة والحركة ذاتها مبدأ امتثال للاحتياج ذاته وصغر او كبر حجمك يؤثر بمدى ملاحظتك او عدم ملاحظتك للحركة..
كما أن الانسان كان يعتقد أن الارض ثابتة لا تتحرك فإن البكتريا في جسده قد تعتقد انه لا يتحرك ..ولِمَ لا؟ فالعلة ذاتها موجودة..
لو تصورت العالم هذا بكل مافيه كذرات او شحنات كهربية او حرارية فانك سترى ان هذا العالم حركة مستمرة لا يوجد فيها سكون أبداً
 عجز الانسان عن ادراك الحركة يدفعه للأخذ بالثبات والسكون تبريراً لعجزه وسيجد في طيات ما يحمله من فكر وعلم وتراث وذكرى ما يصوغ به تبريره ذلك..
 كل تبرير يصوغه هذا الكائن المسمى كائن عاقل انما يحمل جزءا من الحقيقة وليس كل الحقيقة وسبب ذلك أنه دائما ينفي مبدأ الحركة ويقاومه بكل الوسائل حيث أن وعيه يلزمه بأن يرى أغلب ما حوله ثابت
وليس هذا الا  بربط العالم ووجوده بما يشعر به ويدركه من مستقبلات في جلده وعينه وأنفه وأذنه ولسانه فهو ملتزم بما تقدمه هذه المستقبلات العاجزة الضعيفة..
هذه المستقبلات التي لا يتجاوز قدرتها على الرصد جزءا من الف من واحد بالمائة أو أقل من ذلك بكثير ثم يجعل ما تقدمه من بيانات حقائق مطلقة..
ألا يعلم هذا الكائن الضال الذي يئن منه كوكب الارض أنه لولا الحركة ذاتها ما وصلت إليه بيانات من هذه المستقبلات؟
ألا يعلم هذا المغرور المتكبر المتعجرف المتباهي
أنه لا تواصل الا بحركة ،
 لا نفس الا بحركة ،
لا مشاعر الا بحركة ،
 لا عقل الا بحركة ؟
 إن الثبات موت وفناء ، السكون محال أو أداة لزوال ذات صاحبها وانتشار جزيئاته لمن يقدر معنى الحركة لمن يحترم مبدأ الوجود ..مبدأ الحاجة
إن من يتوقف عن الحركة إنما يطلب من ذاته أن تتمزق ، أن تتكسر ، أن تتجزأ ، أن تزول ..
إنه حين يصر على التوقف إنما يتوقف عن الحياة
ولا يمكنه التوقف الا انتحاراً فالذات لا تسطع على ذلك انما من الممكن الغدر بها ، يستطيع ان يتوقف غدراً ومفاجئةً على حين غرة
وحينها فإن جسده الميت تتفكك جزيئاته لتكون اجزاءا لكيانات اخرى تتيح لها الحركة وفق انسجام جديد يقدر لها وجودها..
 إذن كل الذين يريدون التوقف هم دعاة للانتحار ، دعاة للفناء ، دعاة للتمزق ، دعاة للتشظي ، إنهم أعداء بل هم كل الاعداء..
هولاء الذين يقفون أمام أي حركة ويريدون الثبات على كل ما بهم من تراث يمضغونه ليل نهار انما يتأخرون بمحاولتهم المستمرة للتوقف والسكون
و لأنه لا يمكن أبداً السكون كونه محال ،فإن من يحاول هذا على ذاته ينتحر ، ومن يجبر عليه غيره إنما يدفعهم للتخلي عنه ..هكذا بكل بساطة

فقالت أم عكرمة :
 أتعلم أني تجاوزت ألم الفراق مع هذا المعتوه بالحركة ؟
أصبحت أرعى بأغنامي لفترات طويلة حتى أني اسير مسافات طويلة ما كان لي ان اسيرها واذ بي ألاحظ أني تجاوزت أوجاعي ولو كنت في داري تلك لقتلت نفسي فالحمدلله رب العالمين

فقلت :
 لله درك يا أختاه لعمري أن النساء يتفوقن على الرجال ولكن الطغاة لا يعترفون..

انتهى

الاشعار والقصة والنصوص بقلم :عصام مطير البلوي

2 comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.