حديث الوجود: لسنا مرآة واحدة بل مرآيا وماحولنا كذلك

بعد أيام قضيتها لا أكلم بها إنسياً خرجتُ من خيمتي بمنتصف الليل والصعاليك يتساءلون فيما بينهم مابه ؟ ، وسمعت أحدهم يقول : لقد هجره صاحبه ..

فنظرتُ إليهم بإمعان وهم جالسون والنار تأكل حطبهم ثم أنشدتُ قائلا:

أضاعتني وأحسبها تحبُ..
وما للقلب بالهجران طبُ

ظنونٌ دمرت حلماً جميلاً..
ويشهدُ أنني المظلومُ ربُّ

تدثرني بذكراها يتيماً..
وجنح الليل بالآفاق صبُّ

فوا أسفي على حالي بدهرٍ..
رياح الوصل ظلماً لاتهبُ

ثم أخذت نفساً عميقاً وأدرت لهم ظهري فجاؤوني قائلين أكمل بالله عليك ..

قلت : أكمل ماذا؟
قالوا :أكمل مانطقت به يا إمام
قلت : لم أقل شيئاً..
قالوا: سمعناك فقاطعتهم
قائلاً: إنما سمعتم أنفسكم فكل امرئ منا مرآة لغيره حين النظر..فما الذي جمعني بكم؟
قالوا :صعلكة

قلت: وهل صعلكتنا اخترناها ام اختارتنا؟ إذا اختارتنا فنحن مجبرون عليها ونحن مرآة لها وإذا اخترناها فهي مجبرة علينا وهي مرآة لنا ..فما رأيكم؟

فقال أحدهم :
بل اختارتنا واخترناها وجُبرنا عليها وجبرت علينا فهي مرآة لنا ونحن مرآة لها وأنت إذ قلت “لم أقل شيئاً” فأنت لم تكذب وحاشاك لأنك نطقت من حيث أنك مرآة لنا أو لأحدنا ونحن إذ قلنا سمعناك لم نكذب وحاشانا ولكننا كنا مرآة لك ..

قلت: فلماذا توقفت حيث ينبغي أن أكمل وأدرت لكم ظهري ؟
قال: أجبنا ولاتثقل علينا ..

قلتُ: لأننا لسنا وحدنا بهذا العالم وحينما توقفتُ كنتُ مرآة لغيرك بتمثل حاجة اقتضت ذلك والحاجات إن تنوعت دفع أشدهن اهتمامنا وسلوكنا واللذين لم يكونا الا حاجة أيضاً تشكلت متمثلة لحاجة اخرى واصبحت مرآة لي وأنا مرآة لها، ونحن لسنا مرآة واحدة بل مرايا وماحولنا كذلك تدفعنا وندفعها وتؤزنا ونؤزها..

فقال : هل الحاجة بها اختيار ؟
قلت : الحاجة الاصل لا اختيار بها انما تشكل الحاجات من الممكن ان تكون اختيارا في حال اختيار المرآيا للمرآيا وهذا لايحققه الا قلة من البشر فماحولهم غالباً يمنعهم من هذا ويجبنون عن فعله رضوخا لحاجة عظموها وأدمنوها تعلماً وتقليداً فالبشر يدمنون حاجاتهم ويعظمونها أي تعظيم

قال : وما الاقتناع؟
قلت الاقتناع: ان تكون مرآة لحاجة تثير أو تحقق حاجة عندك فتمتثل لتشعل غيرها وما أن تؤدي ذلك أصبحتَ مرآة لها وهي مرآة لك وما مراينا الا بعض منهم وما مراياهم الا بعضٌ منا..

وللحديث بقية
من سلسلة حديث الوجود ..بقلم عصام مطير البلوي

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك