اعترافات متخلف سابق، ماذا لو كان كل البشر أنت؟..

ليس هنالك ماهو أبشع من أن تكون حروفي مكتوبةً بألوانٍ أُحبها دوماً ثم أجد نفسي تكره هذه الالوان في سحنات البشر، ليس هنالك ماهو أبشع من أن يكون الليل الذي أُحبُ سواده المُلهِمَ منبوذاً إذا رأيته مغرداً كذلك بأجمل الالحان على بشرة ادمي.
كيف كنتُ أقبلُ بهذا؟
ألستُ دوماً محباً لتضاريس وجغرافية هذا الكوكب بكل مافيه؟
بلى، ومازلتُ أحبُ بحاره، وأنهاره، وأوديته، وجباله ،وتلاله ، وهضابه ، وصحاريه وكل مامر في مخيلتي عنه ومالم يمر
ولايمكنني أن أُنكر أبداً مدى عشقي لمناخه بشتاءه البارد، وصيفه الساخن، بربيعه الاخضر ،وخريفه الاصفر
فكل هذه التنوعات جميلةٌ ورائعةٌ ومهمةٌ بالنسبة لي ولها معاني ومقامات معظمة بداخلي
اذاً فكيف لم أُقيم نفس ذلك التعظيم لذلك الاختلاف البشري؟
البشر بألوانهم ، وأحجامهم ، وأطوالهم ، وعلاماتهم ، وصفاتهم الجسدية ، وأوصافهم العرقية والاقليمية
لم يكن ذلك تخلفاً فقط إنما كان سحراً نرى فيه أنفسنا الضحلة التافهة كبيرةً جداً وجميلةً جداً في تنقصنا للاخرين..في بحثنا عما نرى فيه تميزا وفخراً لنا عنه وعنها وعنهم وعنهن..

لقد حقرنا الإنسان في داخلنا فاحتقرنا الإنسان في محيطنا
ماذا لو كان النهار سرمدياً؟ ماذا لو كان الليل سرمدياً ؟
ماذا لو كانت الأرض كلها جبلية ؟ او كلها صحراء؟ أو كلها سهول ؟ أو كلها غابات؟ أو كلها يابسة؟ أو كلها ماء؟
ماذا لو كان كل البشر أنت؟ أو أنا أو هو أو هي؟
فأي جحيمٍ هذا الذي سنعيشه وأي كارثة هذي التي نتخيلها !

عنصريةٌ بذورها منذ الصغر مبذورة فينا نراها تُسقى من حيث ندري ولا ندري، ورغم كوننا مسلمين نردد ليل نهار القران الكريم ، إلا أننا تعودنا الفرار منه رغم أنه هبة الله لنا قد يكون ذلك لأسباب عدة لعل من أهمها الفقه والاسلوب الدعوي السائد مما جعله للقراءة فقط بلا تدبر ، بلا تعقل ، بلا تطبيق

ليس هذا تبرأة لنفسي أو إدعاءاً أن ما كنت عليه من سوء كان سببه الرئيسي المجتمع إلا أنه محاولة بسيطة لفهم ما الذي جعلني وبرائتي وانسانيتي لفترة ما خارج النص ومستلقي على هامشٍ فَرِحاً بما فيه.

إن كل جميل وقبيح في أعمالنا ومعتقداتنا له بذور منثورة بتربة أرواحنا الخصبة منذ أن كنا، ونسقيها بما نسمع ونرى بما نعقل ونفكر ، بالإعلام ، بالتعليم ، بالثقافة السائدة ويظل نموها هزيلا ينمو رويدا رويدا ويكبر معنا وينمو مع نمو غرائزنا وتشكل انماط التفكير لدينا وارتكاز ذواتنا حول “الأنا” والتي لاتنفك عنا غالباً فتكون “الأنا” هذه باختياراتنا ..بسلوكياتنا ..باعتقاداتنا ..بعاداتنا .. بتقاليدنا
“الأنا” هاهنا هي أنا والحياة ، أنا والاخر ، أنا وماحولي ، أنا وقناعاتي وقناعاتهم ، أنا و حريتي ومايقيدني ، أنا ومايفيدني وما يضرني ، أنا وتلك العنصرية الممتزجة بي عبر مامضى ومنذ أن كنت ، وليس أسهل على المرء منا أن يمارسها لصيد الفوائد وتجنب المضار في مجتمعات يسود بها هذا المنطق الظالم

فبعضنا يمارس العنصرية اختياراً وبعضنا يمارس العنصرية اضطراراً واولئك الذين يمارسونها اضطراراً يرون فيها حماية لذواتهم من ممارسات عنصرية يواجهونها ، فيرون أنه لا مجال لمواجهة العنصرية الا بعنصرية أخرى مضادة ، لا مجال لمواجهة الظلم الا بظلم اخر مضاد رغم ان العنصرية هذه لم تكن يوماً طوق نجاة ولن تكون ابداً حلا مثمراً ومستمر
رايتُ نفسي واخرين اذا ما ظُلمنا من افراد بإقليم بعينه كرهنا كل ذلك الإقليم، إذا ما ظُلِمنا من حاملي جنسيةٍ محددة كرِهنا شعب تلك الجنسية بأكمله ،
كل هذا لأننا وجدنا بالعنصرية الطريق الاسهل لنيل مصالحنا أو البلسم المؤقت لشفاء جراحنا أو الدرع الكاذب لصد مايواجهنا من عنتريات عنصرية عند البعض.

نحتقر الهندي رغم أنه من أعظم الشعوب إبداعاً وحضارةً وفكراً وإنسانيةً، نحتقر الافريقي رغم أنه الانسان الذي عوقب الاف السنين بسبب لونه الذي نراه معيباً وهو حتما ليس كذلك .
نحتقر الفلاني والعلاني لكونهما اجنبيين ، لكونهما لا يشبهاننا وكأننا اصل البشر وكأننا كل الجمال وكأننا كل الحياة وكأننا قادمين من السماء ونحن نعلم أننا لسنا كذلك أبداً
ألا نمرض مثلهم؟ ألانتعب مثلهم؟ ألا ننام مثلهم ؟ ألا نأكل ونشرب ونمشي بالاسواق مثلهم فماذا بهم من نقص ٍ ليس بنا وماذا بنا من مزايا ليست بهم ؟

كلنا ندرك الاجابة ونعيها جيداً إلا أننا نحمل ذنباً عظيماً ، نحمل جشعاً ، نحمل طمعاً، نحمل غروراً ، نحمل تكبراً ، وتحقيراً لإنسانيتنا بإحتقار إنسانيتهم

أخطاتُ يوماً واعتقدت أن الاقليات يهاجمون رموز الأكثرية حقداً منهم على مايمارسه الاكثرية عليهم من عنصرية ، كان الأصح أن أعتقد بأن الاكثرية تهاجم رموزها وتهينهم وتحط من قدرهم بممارسة العنصرية على الأقليات

ومظاهر هذه العنصرية كثيرة جدا، ومتنوعة جدا ،
بين ماهو لفظي وفعلي ، بين ماهو حالة مؤقتة وحالة مستمرة
بين ماهو لحظات طيشٍ وتزول وبين ماهو تبني مستمر
بين ماهو ممارسات حكومية وبين ماهو تصرفات فردية

وحتما إن ابشع أنواع العنصرية وأسوأها وأقبحها على الإطلاق ما كان موجودا عند أفرادٍ يمثلون لشرائح أي مجتمع رموزاً دينية ، فيختزل الاتباع كل القيم الدينية العظيمة بأفكار وممارسات هولاء وعادةً لاتكون العنصرية عندهم صريحةً إلا إنها تظهر بتباين ردود أفعالهم في قضايا تورط بها “الاخر” بالنسبة لهم مقارنة اذا ما كانت نفس القضايا هذه تورط بها أحدهم،فيتعلم الأتباع حينها بوعي أو بلا وعي ذلك التضخيم وتلك العنصرية في ثناياها وقس على ذلك

أحمدُ الله أني لم أصل إلى تلك المرحلة ولكن من المؤكد أنني كنت مؤهلا للوصول إليها لو كنت على ما كنت عليه من تخلف وتهيأت الظروف لأكون أحدهم حيث أن العنصرية وإنْ كانت بمقادير ضئيلة تتناسب مع حجم نفوذنا ولكنها تزداد اضعافا مع ازدياد ذلك النفوذ خاصة إذا لم نتخلص منها عبر تجاربنا وإعادة ضبط انسانيتنا لتتوافق مع العدالة والمساواة والفهم الحقيقي للبشر ، فاستغفر الله وأتوب إليه.

ما أجمل الحياة وأنا أجرد نفسي من هذا العيب ، وأقاومُ هذا التخلف ، هذا الظلم ، هذه الرجعية
شكراً لمن نصحني ، شكراً لمن ألهمني ، شكراً لأحزاني والامي التي أيقظتني وجعلتني أكثر إنسانية ، أكثر إشراقاً ، أكثر جمالاً ، أكثر وجوداً
شكرا لله رب العالمين

بقلم : عصام مطير البلوي

اترك ردًا ، شاركنا رأيك ، وانطباعك