باب ماجاء بالنقد وردعه

الإشادة بأعمالنا لاتعطينا مبرراً لردع من ينتقدها فلا يمكن أن تكون هذه الأعمال خالية من القصور والخطأ وطالما هي كذلك فإن منع النقد وردع الناقد ادعاءٌ للألوهية مبطن
أي نعم نشعر بالألم من عبارات الإنتقاد وتجرحنا بعض الجمل وأحيانا نرى أن الاخرين لايقدرون مانفعل أو أنهم قوم لايقتنعون أو أنهم جشعون او حساد الا ان كل هذا ايضا لايبرر لنا ان نمنعهم في حقهم الانساني بان يعارضون وينتقدون فلربما كان في اعمالنا ما يعطيهم حق نقاشه وتحليله وتحقيره او التقليل منه وكذلك فلربما اختلاف الاذواق والاهتمامات وتفاوت العقول كان سببا له.
فعلى المرء منا حتى لو كان واثقاً بمدى قوة إنجازه أن يقبل الاعتراض والانتقاد وان كان من حاسد او ظالم فكل هذا يصب أيضاً في مصلحة المجتمع بل ومصلحة العمل ذاته وينبغي على من تعرض للانتقاد الشديد أن لايتوقف عما يعمل ان كان صحيحا بل عليه ان يزيد في إتقان عمله وإصلاح اخطاءه والنظر بعين الحياد للعمل ومن زاوية بعيدة عن كونه صاحبه ليرى مدى صحة الانتقادات الموجهه
فالمرء منا أيضاً غالباً لا يرى أخطاء أعماله وتصرفاته إلا بعد مضي فترة من الزمن ويبدأ بمراجعة ذاته وفكره حول ما كان من المفترض أن يكون !
كالشاعر الذي يكتب في بداياته قصيدة ثم إذا راجعها بعد عام أو أعوام عدة وجد أنه اختار بعض الالفاظ التي لاتناسب وصف المعنى بدقة او أنه اختار صورة جمالية غير مناسبةٍ للحدث ثم يبدأ بإعادة تنقيحها
ولو أن شخصاً ما انتقد قصيدته ببدايتها وقال له نفس ماشعر به بعد أعوام لرفض ذلك والأجدى له أن يأخذ هذا بعين الأعتبار ليطور نفسه بشكل أسرع .

لماذا عليه ان ينتقد أو لماذا ينتقد؟
لأنك ببساطة لاتعيش وحدك
كل ماينجم منك مؤثراً بغيرك وعليك أن تقبل ردود الأفعال فليس الجميع وفق نسقك وطريقتك ومفرداتك وجملك فكما لهم حق الإشادة فلهم حق الانتقاد.
ماتقدمه ليس منتجاً سماوياً غير قابل للنقد بل انه منتجك البشري القابل للفحص والإمعان ومعرفة الجودة والفائدة واللذة التي يرتجيها من توجه لهم قرارك او فعلك او قولك او سلوكك او تصرفك او انجازك او أياً كان

ومايجعل البعض ينتقد ماتقدم له عدة اسباب :
كونه مخالفا للسائد
فمن الطبيعي ان تجد أشد الانتقادات حتى لو كان صواباً وحقاً فالمجتمعات المعتادة على رتمٍ معين ترفض ماتراه غير متناغماً مع رتمها ومن الممكن أن تظلم بل وتجيز ذلك وتعتبره حق اجتماعي اصيل لهم ويلبسونه شعارات متعددة كي يبقى رتمها كما هي حتى لو كنت ترى ان هذا الرتم لا يناسبك او ان ماتقدمه مخالفا للسائد وكونه مخالفاً لايعني بالضروره خطأه فهنالك قصص تاريخيه كثيرة جدا لاناس تعرضوا لكثير من الظلم كونهم خرجوا على السائد حتى لو كان هذا السائد سيء ومنحرف ومتخلف وعليك حينها ان تراجع وتراجع وتراجع ماتقدمه حتى تتاكد من صحته وتربطه بما يفيده من الأدلة و تجارب السابقين والمعاصرين كي تضمن على الاقل انك لاتصر على خطأ وخطيئة لاتغتفر.

كونه رديئاً بجوانب
وهاهنا سيقدم المنتقدون لك الادلة والبراهين على ردائته وسيبحثون عن العلل حتى لو كان هنالك جوانب مضيئة فيما تقدمه فمن الطبيعي كونه يملك جوانب مظلمة او رديئة وسيلحقك النقاد بها وقد يبالغون بجوانب الا ان هذا لايعني ابدا انهم مخطئين ولا يرفض هذا النقد الا من اراد ان يجعل عمله يموت قبل ان يزهر ويثمر فعليك حينها ان تأخذ بانتقاداتهم بمحمل الجد وتراجعها وتصلح جوانب الخطأ او تعيد صياغة ماتقدمه وتضفي عليه مزيدا من السمات الجديده ووتتجنب ما سبق وأن انتقدوك به

كونه ليس في وقته
وهذا ما يعاني منه البعض في حال كان مايقدمه جميلا الا ان اختياره للوقت لم يكن مناسبا مما جعل البعض يهمش مايقدمه او يتهاون به او لايكترث او حتى ينتقده بانه يضيع وقته او من هذا القبيل ولا يعني هذا خطأه بل خطأ توقيته الذي لم يكن عاملا مساعدا بابراز جمال مايقدمه من سلوك او انجاز او فعل او قول !

كونه سيئاً غالباً
والسوء هاهنا صفة بارزه بما يقدمه المرء منا كونه مخالفا غالباً للعقل او الابداع او الصواب وهذا السوء سرعان مايكتشفه صاحبه لو انه نظر بعين محايدة وبهدوء لوجد صدق انتقادات من حوله والحصيف من يسارع بالتصحيح حينها او التوقف كي لا تكون النتائج مزعجة جداً

كونه غير مرغوب به
واقصد هاهنا محيطك القريب والذي من الممكن ان يكون ماتقدمه ليس مرغوبا لديهم او ليس من اهتماماتهم ويكون نقدهم حينها عابراً أو تحقيرياً له والافضل حينها ان تعرض ماتقدمه لمن يشاطرونك نفس الاهتمام ولايعني بالطبع انتقادات السابقين ليست مهمه ولكن عليك ان تروج لما تقدم ليجذبهم او لتكن اكثر تسامحا حول كلماتهم الناقده.

ورغم ماذكرت انفاً الا ان هذا لايعني وجود شريحة من المنتقدين يلامسهم الحسد او تؤزهم الاحقاد كي يبادروا بمحاولة تكسير ما تقدمه بكل الوسائل بداية من النقد اللاذع انتهاءاً بالتامر ولكن عليك ان تدرك ان النقد وهو موضوعنا هاهنا حتى لو كان من حاسد فهو نقد ينبغي ان يكون مقبولا لديك فقد ينتبه الحاسد للزلل لديك اكثر من غيره من البشر مما يجعلك اكثر دراية بجوانب الخلل بما تقدم وتكون اكثر يقظة ودقة بالمرات القادمه او يكون لديك السرعه لاصلاحه قبل فوات الاوان فانظر كيف ان الحاسد نعمة من الله وهبها لنا فلولاه لما تطورنا ولولاه لما اصبحنا اكثر دقة واكثر مصداقية ووضوحاً.

يشعر الناقد البناء بأن عليه ان يرى مكامن الخلل ومظاهر الرداءة في الانجاز الذي امامه ويتوجب عليه ان يقدم النصح والارشاد فهو جزء من مجتمع يغار عليه ويرى ان نقده هاهنا نقدا يساعد على تطور مجتمعه وتحسنه وايضا يرى ان نقده يساعد الاخر في تطوير تجربته وتحسين مهاراته

يقول الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيقوفيتش في كتابه الهروب للحرية :
” لو قدر لي، سأدخل في جميع مدارس الشرق الإسلامي دروسا عن الفكر النقدي، فالشرق على خلاف الغرب، لم يمر بهذه المدرسة القاسية، وهذا هو مصدر معظم ظواهر قصوره” .

ومن جمله السابقة نرى كيف حلل وفسر بيقوفيتش مظاهر القصور في مجتمعاتنا الشرقيه وعزا ذلك إلى غياب اهتمامنا بالفكرالنقدي وأوافقه الرأي ،
فمجتمعنا مثلاً حساس بجوانب ولابقبل النقد بها وكأن النقد هاهنا معول هدم فان كان كذلك تماماً فلا يعني هذا إلا هشاشة هذه الجوانب وانتفاء قوة المنطق والحق بها وإلا فإن هنالك الكثير من جوانب الحياة ومجالاتها تعرضت للكثير من الانتقادات ولكنها لم تنكسر ابداً بل اصبحت اكثر قوة واكثر انتشارا واكثر وضوحا ورسوخا ومصداقية .

لا أرى ان النقد ينبغي تقسيمه هاهنا الى نقد سلبي وايجابي فالنقد بمجمله ايجابي حتى لو كان فيه تجنياً بجوانب إلا أنه سيحفز المنتقد للدفاع عما يقدمه ويجعله أكثر قدرةً على تصحيح اخطاءه اذا وجدت.
والانسان بطبعه ينقد ماحوله وكل منا سبق وان قام بانتقاد شخص اخر او جماعة اخرى ، وكذلك سبق وان قام اخرون بانتقاده ومحصلة هذا تصحيح سلوكياتنا وتاسيس قواعد ونماذج فكرية اكثر منطقية واكثر رسوخا وتوهجاً مما سبق بل حتى لو كان المجتمع متخلفاً بنواحي فاننا في هذا العصر بالذات قادرين على معرفة تجارب الشعوب والمجتمعات الاخرى حتى لو كانت بعيده ومعرفة جوانب الفائده والمضره فيها ومدى تناسبها مع مجتمعنا والعالم الذي اصبح كالقرية الصغيره تتناقل فيه العادات والتقاليد والافكار بشكل اسرع مما سبق وعليه فاننا حينما نمارس النقد على المجتم الذي نحن جزء منه انما نجعله اكثر قدرة على مقاومة مانراه رديئاً وسيئاً جاء من مكان سحيق لايتواكب مع ما نؤمن به .

والمجتمع الذي يسود به الحساسية من النقد لا يعني انه لايمارسها بل هو يمارسها بالخفاء خلف الجدران والتغيير الذي يأتي من زوايا الخفاء والظلام يكون قاسياً ومفاجئاً اذا ما شائت الاقدار ان يظهر فجأة على السطح العلني وقد يكون مؤشرا لمدى تفكك المجتمع او نذير شؤم لصراع اخرجه من خفاءه لعلانيته حتى يكون ذراعا قوية لاحد اطراف النزاع والصراع.

والمجتمعات البشريه ليست الا افرادا كل فرد منها ينتقد الاخر ويمارس دور النقد ويتعرض له ومكونات المجتمع ذاتها تمارس النقد بطريقتها الخاصة وهذا ببطء يجعل المجتمعات المظلمة تضيء بنهاية المطاف لانها لايمكن ان تقبل ان تكون ظلامية ابد الدهر ولكوننا بعالم اكثر سرعة بالتواصل بين مختلف المجتمعات مقارنة بالماضي فمن المتوقع ان تلحق المجتمعات المتخلفة في بعض الجوانب بالمجتمعات المتقدمه بها حتى لو كن هذا ببطء شديد الا انه من الممكن تحدث به موجات سريعه تصبح كالزلزال وقعها على شرائح مصرة على بقاء مجتمعاتها هكذا وهذا مايفسر بعض الثورات التي تحدث .
ومثل هذه التغيرات الاجتماعيه ان لم تاتي عبر نقد ذاتي فانها تاتي عبر محاكاة وتقليد للاخرين والمحاكاة هاهنا ليست الا انتقاد مبطن لرداءة الحال الذي يعيشه مجتمعا ما ومحاولة للحاق بالاخرين كي لايتعرضوا لانتقادهم وقد تحاول بعض القوى صده او رده ولكن الامر اشبه بالزلزال التي لاتصد ولا ترد ومهما حاولوا فان الموضوع اصبح خارج متناول اليد.
وكي لاتكون العواقب وخيمه فعلينا تشجيع الانتقاد وتحسين تجاربنا وقبول الاعتراض الناقد حتى لو جاء من حاقد فقد يعطينا هذا فائدة ما كنا لنحصل عليها لولاه .

وأعود هاهنا لك يامن تعرضت للأنتقاد لأجاوبك على سؤال يدور في ذهن كل من تعرض لإنتقاد
ماذا ينبغي علي ان افعل اتجاه من ينتقدني؟
أن تشكره أولاً
أن تراجع ماقدمته او تقدمه ثانياً
أن تستمر او لا تستمر به فهذا تحدده قدرتك على معرفة صحة الانتقادات ومنطقية ادلتك ومصداقيتها وتقديرك لنتائجه فالأعمال الرديئة لا تدوم والأعمال الحسنة كذلك إذا لم تجعلها اكثر مرونة وأكثر جاذبية وأكثر اقناعا لمن حولك

ماذا لو منعنا النقد وردعنا الناقد؟
هذا الخطأ كلف دولاً أن تزول قبل أوانها فما بالك بك أنت لانك حينها لن تحصل على فائدة ولن تجد مايجعلك اكثر دقة وتوهجاً ويمنعك بنفس الوقت من تكرار اخطاء قاتله قد تؤثر عليك مدى الحياة ان لم تكن سبباً في نهايتك!

نشرت بالشبكة الوطنية بتاريخ 18-10-2011
باب ماجاء بالنقد وردعه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.